اجتماعية

المبادئ لا تتجزأ

تتصف هذه المرحلة بتسارع أحداثها وتداخل المواقف وارتباكها، حيث لا يكاد ينتهي يوم ويبدأ آخر إلا بأحداث أشد قسوة على النفس والعقل البشري، حتى أنه في كثير من الأحيان تجده مرتبك بسببها فيتجه العقل لاختيار الأسلم وهو التلون في رأيه مع الحزب الذي ينتمي إليه، وبالتالي يكون عرضة لتجزئة مبادئه ضاربًا بعرض الحائط مقولته الشهيرة المبادئ لا تتجزأ. لا أعلم كيف لإنسان يقرأ ويردد ليل نهار قوله تعالى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾(النجم:38) ومن ينطق عقله وقلبه قبل لسانه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ..”.أن يجزأ مبادئه الثابتة في الدفاع عن الحق؟ إذًا هي ثوابت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تدعونا إلى نبذ كل حكم بناءً على فعل صدر من فرد، حيث يتوجب عدم تعميمه وكأنه صدر من الأغلبية وضرورة التريث قبل الحكم على نوايا الأشخاص، وفي الوقت ذاته تدعونا إلى التدبر والبصيرة لإخراج الجانب الإنساني فينا للتأكيد على أن المبادئ لا تتجزأ، وإننا نعاني عدم الالتزام بهذا المبدأ ويظهر ذلك بصورة جلية في وقتنا الحالي من خلال حكمنا على مبدأ ومفهوم الحرية المنقوص.

إن المشكلة أننا وعند أي موقف يصيبنا داء العبودية للفكرة التي ننتمي إليها وبذلك نتناسى أنها أفكار واجتهادات بشرية تحمل الخطأ كما الصواب.
على سبيل المثال الشخص الرافض للحكم العسكري والانقلاب الذي وقع في مصر أصاب في عدم تجزئة مبادئه، ولكن في الوقت ذاته تجده يرفض الثورة على أرض سوريا، والعراق، ولبنان وكأن مظاهر التحرر التي طالب وهتف من أجلها في مصر سقطت عند أول نقطة مطالبة بالحرية في منطقة أخرى لا تقع ضمن دائرته وهنا تجده دخل في إطار فكر الحزب المغلق، فبدلًا من أن يكون ذلك الحزب الغطاء الفعلي للمطالبة بأي حق، تجده نار تحرق كل من يخالفه. إن مبدأ الحرية الذي لا يتجزأ قائم على رفض فكرة التعايش مع الإجرام الصهيوني على الأراضي العربية والإسلامية عامة وفلسطين خاصة، وفيما يتعلق بالأسرى هناك، نشير إلى الأسيرة هبة اللبدي والمتضامنين مع قضيتها العادلة والتي لا يختلف عليها الأحرار أينما وجدوا، ولكن تم الاكتشاف أنها من مناصري بشار الأسد وحزب الله وضد الثورة على إجرامهم حتى أصيب من دافع عنها بالأسى والإحباط على أساس أنهم تعرضوا للخداع؟ هؤلاء كانوا ضمن الدائرة التي رفضت تجزئة المبادئ، وخاصة فيما يتعلق بالحرية، الصحيح أن الوقوف والتضامن معها كان ضمن دائرة المبادئ التي لا تتجزأ وحتى لو تم إعادة أسرها لا قدر الله سنعلن التضامن معها من جديد لأن الحرية لا تسقط بالمواقف، فالعدو الصهيوني عدو لا تزال صفة الاحتلال والإجرام عنه إذا أسر من لا يقع ضمن دائرة حريتنا الشاملة، أما هبة فإنها سقطت وقامت بتجزئة مبدأ الحرية والذي هتفت من أجله حتى غدى ميزان حريتها مائل وافتقر للعدالة الإنسانية التي ناضلت من أجلها والتي كانت بوصلتها القدس، حيث لا فرق بين ثائر من أجل العيش بكرامة والحصول على أدنى المتطلبات حتى يشعر بوجوده في وطنه وبين ثائر من أجل دحر احتلال، لا فرق بين الأسرى أينما كانوا سواء أسرى الاستبداد والظلم، أو الاحتلال على حدٍ سواء، لا فرق بين ثكلى أو أطفال مقطعي الجسد على أرض الشام أو على ارض فلسطين لأن جميعها مشاهد مكررة تدعونا إلى عدم تجزئة المبادئ.

إن ذكر الأمثلة وحصرها بهذا الخصوص أمر في غاية الصعوبة ولكن؛ أود الإشارة إلى قضية الشاب يحيى كراجة الذي توفي نتيجة إضرام النار في جسده لأن يفتقر لأدنى مقومات الحياة والتي تبقيه على قيد الأمل لا الحياة ، في أكبر سجن عرفه التاريخ في بلد يضم مليوني شخص يطلق عليه اسم غزة، حيث قضيته رحمه الله تضع الشخص أمام مبادئ الحرية التي لا تتجزأ فإما أن يكون أو لا يكون يجب أن نؤكد أنه تعرض للظلم والنسيان وعدم ملاحقة من اضطهده وسلبه حقه سواءً على المستوى العائلي أو على مستوى من يحكم بناءً على الفيديوهات التي انتشرت منه شخصيًا وهذا يدعونا للمطالبة بمحاكمة من تسبب في هذه الفاجعة كائنًا من كان. ولأن الإنسانية موقف يجب أن يكون هناك موقف فيما يخص الأسرى المقطوعة رواتبهم والمعتصمين في البرد القارس، هذه هي الحرية وتعني أن تمنح لكل من يريدها وتدعوا إلى إسقاط من يحاول سلبها منّا أو المنّ علينا إن تم منحنا بعضًا من جزئها. إن الحل الأكيد من أجل الخلاص هو المحاربة بكل ما أوتينا من قوة حتى نبقى محافظين على مبادئنا غير مجزأة من خلال عقولنا والتي تميزنا عن الحيوان وتمنحنا صفة الإنسانية التي كرمنا الله بها. وأنهي بما قاله الداعية سلمان العودة فك الله أسره في كتابه “أنا وأخواتها”: هل يجب أن ننقض على من لا يشاطرنا الحماس في موقفنا؟ أن تكون سنيًّا يعدل مع الشيعة، أو شيعيًّا يعدل مع السنة، فهو دليل على التفوق.
يجب أن نفرق بين الانتماء الذي هو اعتقاد وإيمان لا يداخله ريب، وبين حدة المواقف وصرامة التحليل. عندما تذهب العقول وتكون الكلمة الأخيرة لأرفع الناس صوتًا وأشدهم انفعالًا، و أقساهم لغة فهي علامة احتدام الأزمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق