تقاريرمقابلات

بعد اعتقال ماهر… كيف صارت بهية “أبًا جيّدًا”؟

 

الأمل والدعاء.. قاعدتان لتربية سلسة

أمسكت دفة قيادة الأسرة من الحظة الأولى

لا يمكن ملأ مكان الأب تمامًا

الدعم النفسي لا يجب أن يصنع للطفل “عالمًا وهميًا”

           لزوجات الأسرى.. أثبتي وجودك لتكسبي نفسك وبيتك

 

غزة/ فاطمة أبو حية:

“بابا ما استشهد”… بصوتٍ أجش أخذ يرددها “عبادة” ذو السنوات السبع، وحوله المعارف والجيران يتوافدون على البيت لـ”تقديم واجب العزاء”، فصورة “ماهر الهشلمون” التي انتشرت عبر الإنترنت كانت توحي باستشهاده، لكن إحساس الطفل كان أصدق إنباءً من الصور، فقد نجا والده، لكنه صار أسيرًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

قبل أن تجد أمه فرصة لتشرح له الحدث بطريقة تتناسب مع عمره، فهم الطفل من حالة البيت المضطربة أن والده استشهد، لذا كان الاعتقال “خبرًا جميلًا” يمكن أن يسمعه “عبادة”.

ربما يكون إخبار الأطفال باعتقال والدهم من أول الصعوبات في طريق الأم التي تحمل لتوّها لقب “زوجة أسير”، في هذه القصة عاشت “بهية النتشة” ما هو أصعب قبل الوصول لخبر الاعتقال.

الحديث هنا عن ماهر وبهية وابنيهما عبادة (12 عاما) ومريم (11 عاما)، وعن تربية الصغيرين التي وقعت على كاهل الأم.

اعتقل الاحتلال ماهر بعدما نفّذ عملية دهس وطعن في بيت لحم في نوفمبر من عام 2014، فأطلق عليه جنود الاحتلال النار، فأُصيب بست رصاصات كادت تودي بحياته، وبعد تعافيه نُقل من المستشفى للسجن، ولاحقا على حكم بالسجن لمؤبدين.

أما بهية فصارت أيقونة بين زوجات الأسرى، تبوح بمعاناتهن، وتوصل صوت الأحبة المغيبين خلف القضبان، وتلهم رفيقاتها في المعاناة، ومما تبهر متابعيها به، طريقتها في تربية طفليها في ظل غياب زوجها، وعن النقطة الأخيرة تحديدا نحاورها…

 

روح المحارب العنيد

“حنون”، هذه واحدة من أهم صفات ماهر، ولما صار أبًا أعطى طفليه من الحنان قدرًا بالغ الكِبر، وكان يعطيهما جرعات مكثفة من حنانه في ساعات الصباح الأولى، ففيها كان يعدّ الإفطار ثم يوقظ زوجته وصغيريه، ويعكس عليهما شيئًا من البهجة التي يبدأ بها صباحاته.

هذا الحنان، وتلك الساعة من الصباح، والكثير من تفاصيل الحب الأخرى، اجتمعت كلها لتكون سببًا في صعوبة تعويد الابنين على غياب ماهر، أي طفل يطيق غياب أبٍ كهذا؟.

أمام هذه العلاقة بين الأب وابنيه، ماذا بيد بهية أن تفعل؟ كيف تتصرف؟ وإلى أي حدٍ يمكنها أن تعوّض غياب الأب؟… أول ما تقوله في حوارها معنا إقرارٌ بأن التربية بدون الزوج مهمةٌ صعبة جدا، وأنها مهما فعلت لا تستطيع أن تملأ غيابه تمامًا.

أمنية وحيدة كانت تسيطر على ضيفتنا في الأسبوعين اللذين قضاهما شريك حياتها تحت خطر الموت، وهي أن ترافقه في المستشفى، تغير ضمادات جروحه، وتجلس عند قدميه، لكن هذا لم ينسِها أمر الطفلين، فباشرت بأخذ ما يلزم من قرارات لأسرتها وفق الواقع الجديد، معتمدة على “روح المحارب العنيد” التي تمتلكها.

أحداث الساعات الأولى بعد نبأ العملية ليست واضحة تماما في ذاكرة بهية، خاصة فيما يتعلق بطفليها، حينها كان عمر عبادة سبع سنوات، وكانت مريم في عامها الخامس.

لا تذكُر عن مريم أكثر من وجودها حولها، أما عبادة فكان يتبعها بفضوله، وفهم أن الحديث يدور عن استشهاد والده، فأخذ ينظر للصورة التي كانت تطالعها عبر هاتفها النقال، ويكرر “بابا ما استشهد”.

تقول بهية: “رزقني الله الصبر والحكمة من اللحظة الأولى، كنت أفكر كيف أتصرف تصرفات ترضي الله أولًا، وتمثل ماهر ثانيًا، ولفعلناها سويًا لو كان موجودًا”.

وتضيف: “لم أتخبط وأتبع كل نصيحة أسمعها، أخذت قراراتٍ أقتنع بها وأراها الأفضل لأسرتي، فمثلا فور ورود نبأ العملية، نصحني بعض الأقارب بترك المنزل والإقامة في بيت عائلة ماهر، فكان ردي أنني مع أبنائي في بيتنا ومرحبًا بكل من أراد أن يكون معنا”.

رفضت بهية ترك البيت لمجرد عدم وجود ماهر فيه، لكنها اضطرت لإخلائه بسبب الاحتلال في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وفي معمعة الإخلاء كانت تفكر بابنيها، طلبت من أختها أخذهما بعيدا عن المكان كي لا يكونا شاهدين على لحظات ترك البيت الصعبة.

انتقلت إلى بيت أهلها، وهناك تصرفت وكأن شيئًا لم يكُن، نيّمت عبادة ومريم كما تفعل في كل ليلة، ولم يكن فعل ذلك صعبًا مع عبادة الذي كان تحت تأثير الصدمة فنام بهدوء، أما مريم فلم تتوقف عن طرح الأسئلة لتستفسر عمّا بعد غياب والدها: “من سيحكي لي قصة قبل النوم”، “من سيدللني؟”، “من سيكون حنونًا عليّ؟”، كان رد بهية الذي هوّن على الطفلة قليلا: “بابا ما استشهد، حنشوفه قريب”.

وفي أول صباح بدون زوجها، فكرت قبل كل شيء بنقل ابنيها لمدرسة قريبة، وتوفير أجواء حياة طبيعية لهما، وهذا كان من أهم العوامل التي ساعدتها على الخروج من الأزمة.

في الأسبوعين الأولين، كان ماهر في المستشفى بين الحياة والموت، وخلالهما وصلت العائلة أكثر من مرة أخبار تفيد باستشهاده، ولكي لا يتأثر عبادة ومريم بهذه الأجواء، كانت بهية تشغلهما بطرق مختلفة، كي لا يكونوا حولها إن وردها خبرٌ سيء، وبفضل ذلك لم يعيشا ما يترك آثارا نفسية صعبة.

أما الاعتقال فقد شرحته لهما بالتدريج، وبسطته تماما، أولًا أخبرتهما أن موعد خروجه من السجن بيد الله، ثم كانت تخبرهما أنها تراه في المحكمة وأنه يبلغهما السلام، وأنه بصحة جيدة، رغم أنه كان يستخدم كرسيًا متحركًا آنذاك.

طبعا لم يفهما معنى حكمه بالمؤبدين، لكنهما كان يعرفا أنه سيخرج من السجن قريبا، إلى أن عادت مريم من المدرسة باكية بعد عامين من الاعتقال، فقد أخبرتها صديقتها أن المؤبدين يساويا 200 عام، فهدأتها والدتها بالقول: “مصيرنا بيد الله فقط وليس الاحتلال، الله قادر على إعادته لنا في أي وقت، وبأي طريقة”.

هكذا تلجأ بهية لـ”تبسيط الأمور”، لتهوّن الصعاب لابنيها دوما، حتى أنهما وصلا للمرحلة التي يبسطا فيها الأمور بنفسيهما.

 

قواعدُ بهية

زرع الأمل في نفسيهما، وتعويدهما على الدعاء، قاعدتان أساسيتان في تربية بهية لابنيها، وبالإضافة لهما ثمة قاعدة ثالثة تخصّها وهي منع التدخل.

زرع الأمل يكون بالحديث عن قرب حرية الأب، وعن وجوده في كل الخطط المستقبلية، فمثلا تتحدث مع طفليها عن الأماكن التي سيسافرون لها بعد عودة الحبيب الغائب.

أما الدعاء فصار ملاذا يلجأ له عبادة ومريم كلما زاد الشوق، وكانت البداية من عند أمهما، تدعو وتحثهما على الدعاء معها، وإذا ملّ أحدهما من طول الانتظار، تقول له: “ما بيدي حيلة، الله وحده القادر على تغيير مسار الأمور، بُح لله بما في جوفك، واطلب منه ما شئت”.

وعن القاعدة الثالثة، توضح: “من اليوم الأول أمسكت بدفة القيادة، ولم أسمح لأي طرف خارجي بالسيطرة على العملية التربوية وتوجيه ابناي”.

ولإيمانها أن نفسية الكبار تنعكس على الصغار، حرصت على الظهور قوية وبنفسية جيدة أمام عبادة ومريم، وعلى تقديم ردود إيجابية على كل أسئلتهما، طبعا المظهر القوي كثيرا ما يكون مبنيًا على ألم يمزقها من الداخل، لكن لا مفرّ.

وتبيّن: “في الأشهر الأولى، كنت حديثة عهد باعتقال الزوج وتحمل مسؤوليات البيت بمفردي، أفكر في ألف شيء وشيء، عدا عن حزني، وهذا ما زاد صعوبة التربية، ولكن بالتدريج اعتدت، وعوّدتهما”.

 

قانون المناسبات

وتهتم بهية كثيرا بفرض وجود ابنيها، وتعويدهما على ملأ محل أبيهما، فمثلا في الأعياد، ترسل بِكرها عبادة مع أعمامه لزيارة الأرحام، وتعطيه أموال “العيدية” ليوزعها باسم أبيه.

وعلى ذكر العيد، فالأعياد والمناسبات محطة يجدر الحديث عن تعاملها مع طفليها فيها، ففي الأعياد كان ماهر يأخذ زوجته وابنيه للسوق ليختار لهم ملابي العيد بنفسه، مع أجواء ترفيهية للصغيرين، وصباحا بعد صلاة العيد، كان يحب تناول الإفطار في البيت، ثم يبدأ جولته على الأقارب، ويُتبعها بجولة للتنزه مع أسرته الصغيرة.

في العامين الأولين بعد غيابه، كانت المناسبات السعيدة “موسمًا” للبكاء بالنسبة لبهية، حتى وضعت حدًا لمشاعرها، فسمحت لنفسها بالحزن قبل المناسبة، لكن مع حلول صباح العيد (أو أي مناسبة أخرى) تصنع الفرح في بيتها، وتعطي المناسبة حقها، ولهذا انعكاساته الإيجابية على طفليها.

 

من وحي نشأتها

في تجربتها التربوية، استعانت بعلاقتها بوالدها، كانت شديدة القرب منه في طفولتها، وطالما أُعجبت بطريقته في التوجيه والنصح، ولمّا كُتب عليها أن تكون أبًا إلى جانب أمومتها، صارت تستذكر تعامل أبيها معها ومع إخوتها.

ولأن الأمهات يختلفن عن الآباء في الصفات والأدوار، فإن الجمع بين المهمتين يستوجب منها “تقمص الدور”، تبين: “في كل موقف تربوي، أفكر كيف يتصرف الآباء في مثل هذه الحالة، وأتقمص الدور”.

تولي دور الأب أجبر النتشة على مخالفة بعض قناعاتها ميولها، فمثلا هي تؤمن أن العمل بدوام كامل لا يساعد في تحقيق حياة كريمة للمرأة، ومع ذلك فهي الآن معلمة في مدرسة ابتدائية، لتلبي احتياجات البيت والطفلين.

وتنوه إلى أن: “الوضع المادي الصعب يزيد عبء التربية على كاهل زوجات الأسرى، لذا على كل ذوي العلاقة أن يطرقوا أبوابهن ويلبوا احتياجاتهن، مهما تظاهرن بأن حياتهن تسير على ما يرام”.

وبموجب دور الأب أيضا، تقوم بهية أحيانا بمهام غريبة على النساء، مثل تعليم عبادة قيادة السيارة.

التعامل بأسلوب زوجها، طريقة تتبعها بهية في كثير من المواقف، ما ساعدها على الجمع بين حنان الأم، وحزم الأب.

تقمص شخصية ماهر ساعدها أيضا في تربية مريم، لكن عبادة تشعر أحيانا أنه بحاجة ليكون إلى جانب رجل، فترسله إلى أعمامه.

وليشعر الطفلين بوجود أبيهما في حياتهما بالفعل، تخصص لهما وقتًا من الاتصالات الهاتفية معه.

 

عملٌ يليق بالمكانة

ثمة دور وطني، تحرص النتشة على القيام به ضمن تربيتها لطفليها، وهو تنشئتهما على حب الوطن، والدفاع عنه، وعلى وجه الخصوص الاهتمام بقضية الأسرى، لذا تدفعهما للمشاركة في فعاليات التضامن معهم.

ومن الجدير بالذكر، أن بهية لا تسمح للدعم النفسي الذي تقدمه لابنيها بأن يحقق نتائج عكسية، وهذا ما تراه أحيانًا في بعض أبناء الأسرى الذين يعيشون في عالم وهمي ويتصفون بالغرور نتيجة التربية الخاطئة.

تقول: “علّمتهما أن لقب (ابن أسير) يجعلهما موضع مسؤولية لا دلال، وأنه يجب ألا يكون مجرد مكانة في المجتمع، بل لا بد من عمل يليق بهذه المكانة، وأن الناس يحبونهما لكونهما ابني بطل وبالتالي عليهما أن يتصرفا وفقًا لذلك”.

وتضيف: “جعلت المسؤولية لصيقة بالدعم النفسي، فأدرك عبادة ومريم أهمية أن يكونا متميزين في العبادة والأخلاق والدراسة”.

الاهتمام بنفسية الصغيرين إلى هذا الحد، لا يعني كبح مشاعرهما، فمثلا يحدث أحيانا أن تخبر مريم والدتها: “مشتاقة لبابا وبدي أعيط”، فتجيبها ببساطة “ابكِ، كلنا مشتاقون”، لكن في الوقت ذاته تهمس لها: “لا تظني أن الأمر انتهى، الله يخبئ لنا أيامًا جميلة مع ماهر”، وبذلك فهي تدخل لها من باب المستقبل الجميل الذي ينتظرها.

على الهامش، ممارسة الأبوة بقدر صعوبتها على بهية، بقدر ما يفتقدها ماهر، الذي يخرج تنهيدة من أعماقه عندما تحدثه زوجته عن سلوك خاطئ لأحد ابنيهما، ثم يقول “إيييه الله يفك أسري”.

 

أثبتي وجودك

عن شريكاتها في القدر، تقول بهية: “بعض زوجات الأسرى لا يملكن قرارًا بشأن أبنائهن، إما لانعدام ثقتهن بقدرتهن على تحمل المسؤولية، أو لرضوخهن لما يقوله كبار العائلة، وفي الحالتين هنّ تفتحن الباب لسيطرة الآخرين على بيوتهن، سيطرة تطال كل التفاصيل”.

وتضيف نُصحًا لهن: “أثبتي وجودك، وعبري عما تريدين وما ترفضين، لكي تتمكني من قيادة أسرتك، إياكِ وترك أبناءكِ لقرارات الآخرين، افرضي رأيك بحزم لأجل توفير تربية صحيحة لهم، وقاتلي حتى آخر نفس لتحقيق ما ترينه يصب في مصلحة أسرتك”.

وتؤكد: “زوجة الأسير التي تنشغل بأسرتها وتقوم بواجباتها لا تجد وقتًا للانهيار والدخول في دوامات اليأس”.

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق