تدوينات

معيدي القرن الواحد و العشرين

في ذاكرة العرب حكمة قيلت قديماً، وتصلح لأن تكون رأس حداثة عالمية، حكمةٌ مفادها ،يقول: أن تسمع بالمعيدي خيرٌلك من أن تراه، هذا في وضعه الطبيعي، اما في وضعنا فلم يعد المعيدي صاحب وجه قبيح، فحسب بل أصبح سيء الصيت، والحديث، والفعل ايضاُ. معيدي العرب، مات وشبع موتاً، وجاء بعده معيدي، يحمل جنسيةً مختلفة، جنسية لملمت قطعانها ،من مختلف الاسطبلات، ومكاب النفايات العفنة.حشدت كل أنواعها ،وأتت إلينا ،لتبطش بنا وقت ماتريد، وكيف ما تريد.

حين تصبح المعاناة معلماً من معالم الحياة الإنسانية، وحين تقابل فتحة نافذتك الصغيرة، وجه حاخام متطرف ،ينتعل ذقناً طويلاً كذنبه ،ويتلاشى حقك الذي سرق منك سنوات طوال، فإعلم جيداً، أن على العالم المجنون ،ان يخجل من نفسه، ويواريها في أسفل حاوية في مزابل التاريخ، لأنه لم يبقى لنا شيء نستحق لأجله الحياة، فكن على دراية بأنك في فلسطين،أو بالأحرى في البلدة القديمة بالخليل. كنت مخطئاً جداً لدرجة الحماقة، حين ظننت نفسي من العارفين، ولو بالشيء اليسير، عن معاناة الخليل والبلدة القديمة، بالأمس القريب فقط ،أدركت أنني غارقُ بالجهل في معجم معاناة الخليل، وايقنت أنني لست وحدي،بل هناك الكثيرالكثير…..الخ ومنهم من يسكن الخليل .

في البلدة القديمة ، بيوت ليست كالبيوت ،كانت قبل سنوات ،قصوراً تعج بأهلها ،أما الأن، فأمست خراباً ،ثكنات عسكرية صهيونية، تغتصب ليس سطح البيت فقط، بل وحرية أهله.

دخلنا في خزق الفأر، واتجهنا الى احد المنازل ، صَحِبنا في الطريق ُسلم حجريٌ من وسعه يضيق بالجسد،ملابسٌ هنا وهناك ،اطفال يرحبون بنا والنعاس راقدٌ في عيونهم، ابتسامات تعانق اروحهم البريئة، وصلنا الى سطح المنزل ، عيوننا اصطدمت بفواهات،وخوذات اسرائيلية، وكلمات عبرية، اوقفوا التصوير، اوقفنا تصوير الكاميرات ،ودارت عدسات عيوننا تنظر المكان، والتهمت قلوبنا الحسرة، ودمعت شفاهنا،همس صديق: أنه هناك على التلة بيت اليهودي المتطرف باروخ مارزل، ومن لايعرفه، فهو استاذ في المعاناة الفلسطينية ،أينما ذهب، يتفنن في اساليبها ،وتطبيقها في البلدة القديمة. أثناء تجولنا في احياء البلدة القديمة ، سلكنا ازقةً، ادراجاً ترابيةً من بين المنازل، تسلقنا جدران،و امتطينا اشجاراً ،لنصل الى شارع صحيح ،فالشوارع باتت ضرباً من الحرام،ازقةٌ تخجل جرذان الليل من المشي فيها،فعلى كل مدخل للبلدة حاجز تفتيش بصافرات لعينة، تجبرك على نزع جلدك لو باستطاعتها،فهي تكاد توازي المستوطنين بكثرتها .

بائع البسط لم يعد كما كان، فكان هنا دكان سمان ،ومحالا للخضار،كان هنا وهناك ،كان اصبح فعلاً مجهولاً،بل واختفى الفعل تماما، ايّن كان إعرابه مبنياً أو منصوباً أو مشنوقاً، ابوابٌ موصدة بصمتٍ، وخوفٍ،اسقف الشوارع مسقوفة بقمامة وأوساخ المستوطنيين ،يلقونها صباح مساء،ألفاظٌ بذيئة،وإشارات تقتل الحياء بقلبه. مسجد”الزجاجين” القزازين يواصل صموده في وجه أبغض احتلال عرفه التاريخ ،و تزرع قهوة بدران حب البلدة القديمة لزائريها بشايها اللذيد وبنها الأطيب،كانت من الأماكن الأكثر حجاً،بعكس اليوم،فالكراسي تندب حالها ،والقهوة السادة في حداد ، والشاي بالنعنع لايبارح مكانه،بفعل الأوضاع الاقتصادية،حدث ولاحرج،كل ما في البلدة القديمة يثير شهوة المعاناة فيك،يستفزك مستوطنٌ يدخل المسجد الابراهيمي دون تفتيش أو إبراز بطاقته الشخصية،وانت أيها الفلسطيني تدخل إليه وكأنك تدخل السجن الابراهيمي،فبوابته تشبه أبواب المعتقلات الاسرائيلية ، دخلنا المسجد طفنا في أرجائه ،رجعت بنا الذاكرة إلى غولد شتاين ،ومجزرته البشعة.

في البلدة القديمة أطفال تحملهم دلاء بلون الجوع، تأخذهم إلى تكية سيدنا ابراهيم حيث يشبع الظمئان،ويرتوي الجائع.
رمقتني نظراتهم بسؤال ،فيض حقد دفين،أما من مغيث لنا؟ أما من معتصم فلسطيني ،غربي ،عربي أوحتى معتصم من كوكب فضائي ؟ خجلت عيوني من كلامه وأكملت طريقها سارحة في جمال البلدة ورقتها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق