ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الأسد المربوط

ترك والدي رحمه الله تعالى المدرسة في مقتبل حياته، وهو في المرحلة الإعدادية، وأراد الالتحاق بسوق العمل،  وكان عمرهأيامها نحو (15) عامًا، وكان ذلك في حدود سنة 1960م، وكان الشيخ محمد علي الجعبري – رحمه الله – رئيسًا لبلدية الخليل، وكان الرجل يحب خدمة أبناء عائلته، ولذلك كان يحرص على أن يحاول إيجاد وظائف لهم في وقت كانت الوظيفة فيه من أحسن مصادر الكسب، وبالطبع فالوظيفة يجب أن تتوافق مع المؤهلات التي يملكها طالب التوظيف، ولأن كثيرًا من أبناء العائلة كانوا يتركون الدراسة باكرًا بدون مؤهلات علمية، فلم يكن هناك مجال لتوظيفهم إلا في وظائف من نوع (مراسل) في البلدية أو (آذنٍ) في مدرسة، أو (عامل نظافة)، وقد ساهم الشيخ – رحمه الله – في فتح الطريق أمام عدد ممن كانوا يملكون المؤهلات فساعدهم للالتحاق بكلية المعلمين، والتحقوا بعدها في وظائف في سلك التربية والتعليم.

حدثني أبي أن الشيخ لقي جدي عيسى – رحمهم الله جميعًا – فقال له: سمعت أنك أخرجت (خيري) من المدرسة، فقال له جدي: نعم. فقال له الشيخ: أرسله لي في البلدية لأعمل على تعيينه في إحدى الوظائف.

يومها كان جواب جدّي للشيخ الجعبري أن قال له: شكرًا يا عمي، ولكنْ (كلبٌ فالت خيرٌ من أسد مربوط).

التحق أبي رحمه الله تعالى بسوق العمل فعمل مساعدًا لسائق شاحنة، ثم تعلم صناعة الأحذية، وعمل أجيرًا، وبعدها افتتح مشغلًا خاصًّا به، ثم انتقل إلى العمل في تجارة الجملة مع العمل في الصناعة، صحيحٌ أنه مرَّ بأوقات ضاقت به الأمور، وأغلقت أمامه الأبواب، لكنه استطاع تجاوز ذلك بالعزم والمثابرة، وقبل ذلك بتوفيق الله تعالى، حتى صار من رجال الأعمال المعدودين.

لاحقًا كان أبي يقول لي: أرأيت لو وافق جدّك – رحمه الله – على اقتراح الشيخ، فلربما كنت الآن ما أزال موظفًا محدود الدخل أراوح مكاني، وأنتظر راتبي آخر الشهر.

هذه الفلسفة في الحياة تفتقدها أجيالنا الناشئة، فكثير منهم يريدون (القِلّة والراحة) كما يقال، طموحهم أن تكون لهم وظيفة يقبضون راتبًا منها آخر الشهر، مع أنهم يعلمون أن هذا الراتب مهما كان سيتبخر سريعًا، فعند البعض يختفي الراتب من أول الشهر، والمحظوظ منهم من يتدبر أموره به حتى آخره، وهم يعلمون كذلك أو الأصل أنهم يعلمون أن الوظيفة (تستر ولا تُغني) كما يقال في أمثال العامّة أيضًا.

كان أبي يقول لي: أرأيت لو وافق جدّك – رحمه الله – على اقتراح الشيخ، فلربما كنت الآن ما أزال موظفًا محدود الدخل أراوح مكاني، وأنتظر راتبي آخر الشهر.

يقول الناس في المثل الدارج (كلبٌ فالتٌ خيرٌ من أسدٍ مربوط)، وهم يريدون بهذا المثل الإعلاء من قيمة الحرية وعدم الارتهان للآخرين.

قيمة الحرية عظيمة، ولا يدركها إلا من ذاقها، أما العبيد الذين نشأوا في العبودية واستمرأوها وأحبوا العيش تحت ظلالها، فهؤلاء في نفسياتهم خلل عظيم هو الذي دعاهم للقَبول بالعبودية.

كان أبي يربينا على إعلاء قيمة الحرية، والتنويه بشأنها، وقد ضرب لنا في حياته مثلًا إذ لم يكن يركع إلا لله تعالى، وكان يأبى أن يكون تابعًا لأحد، أو أن يسير مسبّحًا بحمد أحد سوى الله تعالى.

وقد كان يحكي لنا لتعزيز هذه القيمة قصة حصلت في مقتبل حياته، فقد ترك المدرسة وهو في المرحلة الإعدادية، وأراد الالتحاق بسوق العمل، وكان جدّي (عيسى) رحمه الله تعالى يعمل في ذلك الوقت في تجارة الخضار، وكان قبلها يعمل سائقًا على شاحنة تنقل الخضار من فلسطين إلى البلدان المجاورة، الأردن ولبنان وسوريا والعراق، فقرر إلحاق والدي بالعمل مع أحد سائقي تلك الشاحنات مساعدًا له تمهيدًا لتعليمه تلك (المهنة).

في ذلك الوقت، وكان عمر أبي نحو (15) عامًا، وكان ذلك في حدود سنة 1960م، كان الشيخ محمد علي الجعبري – رحمه الله – رئيسًا لبلدية الخليل، وكان الرجل يحب خدمة أبناء عائلته، ولذلك كان يحرص على أن يحاول إيجاد وظائف لهم في وقت كانت الوظيفة فيه من أحسن مصادر الكسب، وبالطبع فالوظيفة يجب أن تتوافق مع المؤهلات التي يملكها طالب التوظيف، ولأن كثيرًا من أبناء العائلة كانوا يتركون الدراسة باكرًا بدون مؤهلات علمية، فلم يكن هناك مجال لتوظيفهم إلا في وظائف من نوع (مراسل) في البلدية أو (آذنٍ) في مدرسة، أو (عامل نظافة)، وقد ساهم الشيخ – رحمه الله – في فتح الطريق أمام عدد ممن كانوا يملكون المؤهلات فساعدهم للالتحاق بكلية المعلمين، والتحقوا بعدها في وظائف في سلك التربية والتعليم.

حدثني أبي أن الشيخ لقي جدي عيسى – رحمهم الله جميعًا – فقال له: سمعت أنك أخرجت (خيري) من المدرسة، فقال له جدي: نعم. فقال له الشيخ: أرسله لي في البلدية لأعمل على تعيينه في إحدى الوظائف.

يومها كان جواب جدّي للشيخ الجعبري أن قال له: شكرًا يا عمي، ولكنْ (كلبٌ فالت خيرٌ من أسد مربوط).

كان أبي في نزعته للحرية وعدم الانقياد لأحد، وإبقاء المجالات مفتوحة أمامه تلميذَ جدي، الذي لم يُرِد لابنه أن يعيش موظفًا والأفق مغلقٌ أمامه، بل أراد له أن يضرب في الأرض ويسعى لتحصيل الرزق بعيدًا عن الوظيفة، وهي فكرة حرص عليها عدد من أهل الحكمة، فقد كان من وصايا الإمام حسن البنا – رحمه الله – لإخوانه أن لا يحرصوا على الوظيفة, و أن يعتبروها من أضيق أبواب الرزق.

لقد كان الدرس الذي يريده أبي مني حين كان يحدثني بهذه الحكاية أن أتعلم قيمة الحرية، والآفاق الواسعة التي تنفتح أمام الإنسان عندما لا يكون مقيَّدًا بقيود تحُدُّ من حركته، وقد نجح – رحمه الله – في ذلك، فما زالت الحرية من القيم العليا التي لا أمتنع من تحمل المشاق في سبيل البحث عنها والوصول إليها.

كان أبي يقول لي: أرأيت لو وافق جدّك – رحمه الله – على اقتراح الشيخ، فلربما كنت الآن ما أزال موظفًا محدود الدخل أراوح مكاني، وأنتظر راتبي آخر الشهر.

وكان جدّي (عيسى) رحمه الله تعالى يعمل في ذلك الوقت في تجارة الخضار، وكان قبلها يعمل سائقًا على شاحنة تنقل الخضار من فلسطين إلى البلدان المجاورة، الأردن ولبنان وسوريا والعراق، فقرر إلحاق والدي بالعمل مع أحد سائقي تلك الشاحنات مساعدًا له تمهيدًا لتعليمه تلك (المهنة).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.