ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

في ذكرى المولد النبوي

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أكرمنا بهذا الدين العظيم وشرفنا بالنبي الكريم وأرسله إلينا نورا وهدى للعالمين، الرحمة المهداة والنعمة المسداة والنور المبين، جعل الله بعثته نعمه ورسالته رحمه فقال سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، سيد الأولين والآخرين، خير من نطق بالحق وشهد بالصدق، نبي الخلق الحسن والأدب القويم القائل –صلى الله عليه وسلم-: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).

هذا الشهر المبارك الفضيل الذي نعيش فيه -شهر ربيع الأول- هو شهر مولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- محبب لقلوب الخلق وينتظره أحباب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليعبروا عن حب رسولهم الكريم بتزيين بيوتهم وشوارعهم وطرقاتهم ومحلاتهم ومتاجرهم، ويوزعون الحلويات ويتبادلون التحيات حباً وشوقاً لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

نعم أن الصحابة الكرام والتابعين ومن تبعهم لم يثبت عنهم أنهم احتفلوا بمولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؛ ذلك لأنهم كانوا يحتفلون به في كل يوم مائة مرة ويتذكرونه بكل لحظة وبكل دعاء وانتقال وسنة وطريقة ساروا بها على منهاج رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، فلم ينقصهم بهذه الحال أن يتذكروه مرة بالعام؛ لأنهم كانوا عندما يستيقظون من النوم يبدؤون بـ (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، وكانوا يستحضرون قبل الدخول إلى الحمام أن هناك دعاء للدخول والخروج منه، ويستيقظ البيت كله على صلاة الفجر ويحرص رجاله على الصف الأول منه فكيف ينسى أحد منهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو سائر على دربه وماضٍ على منهاجه، وقبل أن يخرجوا من البيت يتجهزون بالوضوء ويؤدون صلاة الضحى ويرددون على باب البيت قبل الخروج (بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ ، ولا حوْلَ ولا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ) (اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ أنْ أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أوْ أُزلَّ، أوْ أظلِمَ أوْ أُظلَم، أوْ أَجْهَلَ أو يُجهَلَ عَلَيَّ)، وعندما يسيرون في الطرقات يتبادلون الابتسامة والسلام بينهم، ويحفظون أدب الطريق ويميطون الأذى عنه وينشرون الأمن والسلام بين الناس، فكيف ينسى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من بدأ يومه بأذكار الصباح وختمه بأذكار المساء وعمّر ما بينهما بأمور احتسبها لأجل الله فكانت طاعة وعبادة.

أما نحن فقد ابتعدنا في هذا الزمان وقصّرنا، ونسينا وتركنا كثيراً من سننه –صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه، فنحن بأشد الحاجة للاحتفال برسول الله –صلى الله عليه وسلم- ليس مرة بالعام بل بالشهر الذي ولد فيه، ثم نوسع الدائرة أكثر فأكثر فنحتفل بشهر قبله وشهر بعده ليصل بنا الأمر أن نحتفل بالعام كله برسول الله –صلى الله عليه وسلم-.

والاحتفال الحقيقي أن تحتفل جواهرنا برسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل ظواهرنا، الاحتفال الحقيقي أن نربي أبنائنا على سيرته والسير على منهاجه، أن نهمس في أذنهم قبل النوم قصة وموقفاً عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نزرع فيهم معاني الرجولة والفهم الحقيقي لهذه الحياة، الاحتفال الحقيقي أن نجمع أسرتنا في كل يوم على حديث نبوي شريف نتعلم فيه الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية الواردة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- نريح أنفسنا ونأخذ راحة من الساعات التي نقضيها على الأجهزة الذكية ومشاهدة التلفاز، الاحتفال الحقيقي بأن نزين قلوبنا بالنقاء وأفئدتنا بحسن الظن وصدورنا بالعفو والغفران، بأن نخالط الناس بالحسنى ونعاملهم بالأدب ونجاورهم بأفضل الأخلاق وعندما نتبادل معهم التجارة نستذكر حديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري.

الاحتفال الحقيقي برسول الله –صلى الله عليه وسلم- يكون بامتثال قوله (إِنّ اللَّهَ يُحِبّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلاً أَنْ يُتْقِنَهُ)، فنكون في محلاتنا التجارية وفي وظائفنا وفي المهنة التي نمارسها سفراء الخلق النبوي لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-، نخفف عن الناس ونسرع في قضاء حوائجهم ونسدي لهم النصيحة ونبادلهم لين الكلام والتلطف بالألفاظ، نحب لهم الخير كما نحبه لأنفسنا ونتقن الخدمة المقدمة لهم بلا غش ولا تطفيف، بل بنفس طيبة ووجه بشوش ولسان ينتقي أطايب الكلام.

أما من قام بتزيين بيته احتفالاً بمولد الرسول الكريم –صلى الله عليه وسلم- ثم تراه يقطع الرحم ويسيء الجوار فما احتفل برسول الله –صلى الله عليه وسلم- أبداً، ومن وزع الحلوى بهجة وفرحاً بمولد رسولنا الحبيب –صلى الله عليه وسلم- ثم يتعامل بتجارته بالربا فكأنه كذب على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ومن زين بيته ووسع على أهله لكنه يخرج بناته من البيت بزينة كاملة وتبرج سافر دون حشمة أو حياء فقد ناقض نفسه وعصى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، ومن يأمر عماله والموظفين عنده بنشر الفرح ومظاهر السرور بين الناس لمولد رسولنا العظيم –صلى الله عليه وسلم- ثم يظلم عماله ويأكل حقوقهم ويسيء معاملتهم ويبخسهم أجرهم فما احتفل بمولد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بل خالف أمره.

أما ما نبحث عنه من احتفال ونرجوه من فرح برسولنا الكريم –صلى الله عليه وسلم- هو أن يرضى عن أفعالنا وترضيه تصرفاتنا ولا ينكر مجالسنا ولا تغضبه أقوالنا ولا نعصيه في سرنا، بل نكون على حالةٍ مشرقة يباهي بنا الأمم يوم القيامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.