ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الزيتون في ميدان المقاومة

ارتبطت شجرة الزيتون بفلسطين وبلاد الشام منذ آلاف السنين، حيث كان زيتها من أهم السلع في فجر الحضارات البشرية، ومن هنا جاء حرص أهل فلسطين على زراعة الزيتون والاعتناء فيه، غير مبالين بتبدل الحضارات والدول على أرضها.
إلى أن جاءت النكبة وبدأت العصابات الصهيونية بالتهجير المنظم لأهالي الريف الفلسطيني، ولكي يضمنوا عدم عودتهم قام الصهاينة بهدم المنازل وزرعوا مكانها الأشجار حتى لا يجد الفلسطيني شيئًا ليعود إليه، ورغم أن فلسطين هي موطن طبيعي للزيتون إلا أنهم فضلوا زراعة انقاض القرى المهجرة بالصنوبر والأشجار الحرجية، ليأكدوا بفعلهم هذا على أنهم أغراب عن هذه الأرض طارئين عليها، فزراعة الزيتون تحتاج الاستقرار والبقاء لسنوات طويلة حتى تنتج وتعطيهم مقابل تعبهم.
تحت وطئ الصدمة رضي الفلسطينيون بالأمر الواقع، باستثناء قلة من المهجرين الذين تسللوا إلى الأرض التي هجروا منها وأعادوا إليها الحياة مثل قرية عين حوض في الناصرة، لقد انتظر الفلسطيني الجيوش العربية طويلًا لتعيد له حقه السليب فضاع ما تبقى من فلسطين، ثم كانت الانتفاضتين الأولى والثانية وحروب غزة الثلاثة إيمانًا بأنه ما لم يكن أصحاب الحق في مقدمة ميدان المقاومة فلن يحصدوا إلا مزيدًا من الخيبات والخسائر.
طوال السبعين عامًا الماضية كان الصراع حول الأرض ومن أجل الأرض، من أجل كل سنتيمتر مربع، تقاس فيه الانتصارات بالمتر والشبر، وفي خضم سعي الصهاينة لتهويد الضفة الغربية وضمها كان لا بد من اقتلاع الفلسطيني وطرده خارجًا.
ولما كان التهجير الشامل متعذرًا لأسباب كثيرة يحاول الصهاينة اللجوء إلى فكرة أكثر خبثًا، تتمثل في الاستيلاء على الجبال والمناطق الزراعية الشاسعة وحشر الفلسطينيين داخل مدن وقرى يحاصرها الاستيطان من كل الجهات، فيكونون رهائن بيد الاحتلال.
لجأ الاحتلال إلى عدة مستويات في خطته هذه أحدها يقوم على تزيين العمل في المستوطنات والاعتماد على الاحتلال في لقمة العيش من خلال خلق ثقافة مجتمعية منبهرة بالأجور العالية (مقارنة بما يمكن كسبه داخل المناطق الفلسطينية) والتهوين من شأن المعاناة والإذلال على الحواجز وسوء معاملة أصحاب العمل الصهاينة ودفع رشاوى تحت مسمى “ثمن التصريح”.
المستوى الآخر هو التضييق على المزارعين ودفعهم لترك أراضيهم، وزراعة الزيتون هي الأكثر انتشارًا وتأخذ الحيز الأكبر من الأرض في الضفة الغربية، وما دام هنالك فلاحون يعتنون بأشجارهم فلن يستطيع المستوطنون التجول بحرية، ولن يستطيعوا الاستيلاء على هذه الأراضي بدون الدخول في مواجهة مفتوحة لا يستطيع الاحتلال تحمل ثمنها على المدى البعيد.
لهذا تعددت وسائل التضييق مثل عرقلة إجراءات التصدير للخارج حتى يبقى مدخول المزارع منخفضًا، وإغراق السوق الفلسطيني بزيتون المستوطنات المدعوم من حكومة الاحتلال (وهنا تكمن جريمة السلطة التي قبلت باستيراد الزيتون هذا العام)، كما شهدنا في السنوات القليلة الأخيرة تزايدًا في اعتداءات المستوطنين على المزارعين خلال موسم حصاد الزيتون وقص أشجار الزيتون، وقبلها تم ضم مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالزيتون خلف جدار الفصل العنصري والوصول إليها يحتاج إلى تصاريح وإجراءات معقدة.
وهنا يصبح الاعتناء بالزيتون وزراعته عملًا مقاومًا لمنع الاستيطان من التمدد في الفراغ الذي سيتركه الفلاح الفلسطيني، وذلك بعيدًا عن أغنية زراعة التفاح والليمون التي كانت مثار سخرية الكثيرين ليس لأنها كانت تؤكد على أهمية زراعة الأرض والحفاظ عليها بل لأنهم رأوا فيها محاولة لإيجاد بديل عن المقاومة المسلحة.
المقاومة الزراعية هي رديف للمقاومة المسلحة وغيرها من أشكال المقاومة، وليست بديلًا، فكلها تصب في ذات الاتجاه: تعزيز الوجود الفلسطيني وحصار الوجود الصهيوني.
في الختام:
حربنا مع الاحتلال تحتاج لنفس طويل والعمل على كافة المستويات، وبما أن الزيتون ارتبط بوجود المزارع الفلسطيني منذ آلاف السنين على هذه الأرض، وبما أن استمرار العناية به يحافظ على الوجود الفلسطيني ممتدًا على أوسع نطاق جغرافي ممكن في الضفة الغربية، ويمنع مخططات الاحتلال باستعبادنا اقتصاديًا وحشرنا في كانتونات (مناطق جغرافية معزولة)، يصبح الزيتون ميدانًا هامًا للمقاومة، فهل وعينا المطلوب منا؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.