ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مُسافر إلى القدس

أنوه لك أيها القارئ وحتى لا تصاب بالتشتت أثناء القراءة، هذه التدوينة قمت بكتابتها في المسجد الاقصى خلال شهر رمضان للعام 1440ه أي قبل خمسة أشهر تقريبًا ولكن سياسة الحجب وسياسة النشر المشروط حالت دون نشرها في الوقت المناسب

!منذ انتشار مواقع التواصل الاجتماعي عامة والفيس بوك خاصة ارتبطت عملية توثيق الأحداث عبر صفحاته من أمور تتعلق بالزواج التعليم الوظيفة والسفر حتى تعدى الأمر أكثر من ذلك وأصبح الفيس بوك من أهم الوسائل التي تؤثِر بالأفراد، لن أكون ساذجة لأحدثكم عن إيجابيات وسلبيات هذا الموقع لأنني على يقين أن السواد الأعظم يعلمها.

كثيراً ما يصيبنا الفضول عند تحديث أحدهم حالته على الفيس بوك وخاصة عند وضعه أنه مسافر إلى … نريد أن نعلم هل هي رحلة من أجل الاستجمام أو لطلب العلم هل لدولة عربية أم أجنبية؟ هل الرحلة علاجية؟ كما تم وصفها لنا في كتب المنهاج! أم رحلة دينية؟

في فلسطين وضعنا هذه الحالة وخاصة في شهر رمضان لأننا ننتظر أحدَ عشرة شهراً لنحدث تلك الحالة وتلك هي رحلة علاجية دينية! سأحدثكم عن ذلك بعيدًا عن افتراءات الشيوخ الرمادية والتي شوهت نفسهم أمامنا وتلألأ بريق مسجدنا في عيوننا، نحن أولئك الذين تم دك أجدادنا منذ العام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين إلى يومنا هذا، سواء في غزة على مدار أعوام من الحصار والتجويع والقتل أو في الضفة الغربية التي عانت حتى تم ترويض عقولنا على حُب المال والجاه وأصبحنا بدونه لا شيء كل ذلك كان يأتي بإعطائهم صك الإفتاء من أجل الفتك بنا.  

يجب التريث ولا تحكموا علينا إن وضعنا صور المدينة المقدسة بكثرة فأهل غزة ممنوعين من ذلك السفر إلا إن كان من أجل العلاج فقط، أو في حالات نادرة.

أعود لحال الضفة الغربية إن مراحل التخطيط متشابكة، من خلال تجربتي في هذه الرحلة منذ العام ألفين وأربعة وحتى يومنا هذا عندما أنويإتمام هذه الرحلة يتخللها عدة اعتبارات ليس بمنع الأهل لسفر الفتاة أو الشاب لأن فيها نوع من البذخ! الاعتبارات هذه تبدأ ذهنياً منذ العام الذي ينتهي به رمضان الماضي حتى القادم، تحضيرات عن عدد الأيام التي سوف يتم قضائها إن سمحت الفرصة وحتى على مستوى التحضير لأخذ المستلزمات الشخصية لأن كل ذلك محسوب يتوجب عليك أخذ حقيبة صغيرة لا تلفت نظر الجنود المتمركزين على حواجز الوهم والتي سرعان ما يثبت عكس وهمهم مرور مسن يبلغ الثمانون من عمره لأن هذا يثبت أنه أكبر قدرًا وعمرًا من احتلالهم. عند المرور يجب ألا تطلقالعنان حتى لأفكارك أن تستفزهم سرعان ما تشغل فكرك بالاستغفار وقراءة الآية: (وجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ). لأن عكس ذلك يعني نهاية البداية التي لم تبدأ والعودة في العام المقبل إن كان في العمر بقية. تحدد أي يوم “جمعة” من ذلك الشهر ستنطلق مضاف إليهن ليلة القدر كل ذلك وسط دوامة من التفكير اللامتناهي المملوء برعب المنع وقد تكون ظروف عمل أو حتى مادية!

أما بخصوص الشباب الراغبين في السفر للمسجد الأقصى أمرهم ليس بتلك السهولة التي تروجها صفحة المنسق، إن كان أسير سابق لدى الاحتلال فلن يدخلها إلا بعد التحرير أو في حالة أخرى هي القفز من أعلى جدار الضم العنصري وبذلك يعرض حياته للأسر مرة أخرى أو لكسر شيئاً من عظامه! وإن لم يكن أسير سابق توجب عليه امتلاك تصريح عمل وهذا لن يحدث إلا أن كان متزوجًا وكيف يكون كل ذلك وسط دوامة الفقر التي يعيشها الشباب. نأتي الآن لفئة الأطفال هؤلاء يتعرضون للعنة منع الدخول إن كانت بنيتهم الجسدية أكبر من سنهم.

جاء وقت السفر يتوجب عليك الانطلاق باكرًا تركب الحافلة ستلتقي بأرواح يسكنها الأقصى تدافع عنه بكل إصرار في المقابل تزاد إصرارًا على المضي قدمًا لإتمام السفر ولكن تصاب بالصدمة إن تحدث أحد من عايش أسلوب القمع في داخل المسجد الأقصى وكيفية تواطؤ أصحاب الوصاية عليه لمنع الاعتكاف والرباط هناك.

عند وصولك لحاجز الموت في شهر رمضان له وضعية خاصة يقسم إلى ثلاثة بوابات كل بوابة تسمح بوقوف شخص واحد فقط! هذه إحدى التسهيلات المزعومة إياك أن تفكر في استباق الوقت والذهاب لأداء صلاة الفجر لأن الحاجز لن يفتح إلا بعد الساعة الخامسة فجرًا، عندما يفتح تمر ولكن المفاجئة حاجز آخر يقف عليه مجند ومجندة يتظاهرون باللامبالاة والقوة من خلال سلاح يواجهون فيه من يريد التعبد والصلاة تفتح حقيبتك من أجل التفتيش وتمر من خلال بوابة تكشف عن جميع ما تحمله، في المقابل تفشل هذا الآلة في الكشف عن أن الأقصى يسكنك ويعينك على العبور.

عندما تركب الحافلة قم باختيار مكاناً ملاصقاً للنافذة حتى تشاهد أجمل المناطق التي تم السيطرة عليها وبقيت بنيانها على حالها على عكس بيوتنا التي لا نلبث أن نطمس هويتنا منها، لا تلتفت لحجم النظام هناك فهي منظمة من انعكاس أرض تم احتلالها بكل قوانينها حتى البنية التحية يتوجب أن تكون كذلك لدولة احتلال متوفر لها الدعم المالي.

تصل لباب العمود ولكن ستلاحظ أن علامات الانتصار على الأبواب حيث تم وضع منصة للجنود الذين يقفون دومًا عنده وذلك لحمايتهم من سكاكين الثائرين، تكمل السير وتدخل للأسواق ترى التجار ادعمهم ولا تدعهم فهذه فرصتهم من بعد عام من منع البيع وفرض الضرائب عوض صمودهم ولا تلتفت للمبلغ المدفوع أنت تكمل المقاومة بثباتهم، تكمل سيرك مع وجود الجنود عند كل زاوية تقترب أكثر وتأتي لحظة دخولك للمسجد الأقصى تنصب نظرك للأمام تلمع قبة الصخرة في عينيك، ما الذي تريد فعله؟ هل تتأملأم تدعوا؟ أنا أنصحك أن تطلق العنان لنظركللمسجد الأقصى ودع لسانك ينطلق بشكل تلقائي لتدعوا بكل ما يحوي اطلب وتمنى هذه لحظة اللاعودة.

وأنقل لكم وصية المسجد الأقصى عندما تحدثت معه بيني وبين نفسي قم بخلع نظارتك الشمسية عند دخوله لترى جماله الذي حاربت من أجل الوصول إليه.

بعد ذلك تنطلق لتتفقد مكانك المحجوز بشكل سنوي هناك والذي اعتدت على الجلوس فيه لتلتقي بأرواحك التي تشبهك هناك أشخاص لا تلتقي بهم إلا مرة كل عام تحضنها تجددان وعد العودة القريبة والدائمة هنا، إن الصداقة في المسجد الأقصى قصة فريدة من نوعها حيث سيكون هو الصديق ويخلق لك ألف ألف صديق.

بعد ذلك تبدأ الصلاة تسجد مطولاً تصمت تهدأ ماذا أطلب؟! ثم تطمئن لأن الله علم بالأمنيات وبإخلاص النية سوف تتحقق، تفتح مصحفك تبدأ القراءة ولكن علامات التعب والنعاس يغلبانك فهي رحلة شاقة على الرغم من أنها رحلة داخلية !تأتيك قطرات ماء من المنظمين هناك لتخفيف أثر الحر ادعوا لهم ولسدنته، قم بالتجول عند قبة الصخرة والمسجد القبلي بين القباب والأسبلة وصولاً لمنطقة باب الرحمة، في هذا العام تم فتح المصلى الموجود هناك حيث في الأقصى شيء عجيب في كل فترة هناك انتصار يعيد لروحك الهمة حيث أتت اللحظة الحاسمة من رحمة رَب العباد وتمت إعادة العزة لمصلى باب الرحمة بعد سبعة عشرة عاماً من الإغلاق وكأنه أغلق حتى تبنى صورة مشرقة للجيل الجديد.

 لا ضير في ذلك احمل نفسك واذهب بعيداً حتى تخلو في مكان تناجي ربك من خلاله مكان لا يعلمه أحد غيرك لأنك ستعيد ترتيب روحك المبعثرة.

لن أمل الحديث عن المسجد الأقصى كل الحب لمرابطاتنا اللواتي رسمن صورة مشرقة عن الرباط هناك على الرغم من الإبعاد فكما قالوا: الحاجة أم الاختراعوكان للمرابطات هناك بصمتهن في انتشار فكرة الرباط في المسجد الأقصى حتى لو على الأبواب ابتكرن فكرة إطعام المرابطين حيث تمطبخ أكلة المقلوبة لتطلق المرابطتان هنادي حلواني وخديجة خويص شعار باقية وتنقلب.

لقد صادفت زيارتنا هذه للمسجد الأقصى مع ذكرى النكبة ترى جنود مدججين بالسلاح مدعين أن العاصمة لهم بالحديد والنار ونحن ندخل لها بسلام لأننا جبلنا من سلامها وفي ذلك نفيّ لادعائهم.

إن الحديث عن المسجد الأقصى يطول ويحتاج إلى آلاف الكلمات والسطور ولكن أختم بما قالته لي إحدى المعتكفات في المسجد الأقصى عندما سألتها عنه، ردت قائلة: إن المسجد الأقصى جزء من عقيدة كل مسلم كيف لا وهو قبلتنا الأولى لمدة أربعة عشر عاما وسبعة أشهر تقريباً، يجب علينا أن نقوم بربط هذا الجيل بالمسجد الأقصى بل يجب أن نكون الشريان المغذي له وإن أحببت شيئاً يجب أن تعلم تفاصيله، وفي ذلك أنهي شرحي البسيط عن تحديث حالتنا على الفيس بوك …مسافر إلى القدس.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.