اشراقات أدبية

سوسنيات “ 7 “


ادَّعى الحُبُّ على الألم فاحتكما لدى القاضي، فقال الحب : سيّدي القاضي ،لا أزال أتحايل على المتحابين ،وأُغريهم بجميل الخواطر وشتّى الصور ،أُزيِّن لهم سبل الوصال، وأُقيم ما بينهم صروح الوداد ، ومنها أُمدُّ جسور الهيام ،كي يهتدوا بها الى خفقاتِ قلوبهم ،وسكناتِ نفوسهم ،حتى إذا ما ائتلفا وتعانقا وانسكبا كروح واحدةٍ في جسدين ،وسارا ينخران عباب الحياة، بحثاً عن شواطئ الأمان ومنتهى السكن ،جاء الألم وأقحم نفسه بينهما وركب مركبهما وألبسهما من بعض أسماله ، وجنون تقليعاته ،وأفاض عليهما من فنون صرعاته وألوان شطحاته ،ثم وقف غير آبهٍ بأوجاعهما ،وخلجات أحزانهما ذ وتأوهات أحشائهما . فنظر القاضي للألم ثم سأله: ما ردك على الدعوى؟
أجابهُ وقد غمرته سحائب الحزن : لا أنفيه يا سيدي بل أُقِرُه ، وإنَّ لي في ذلك مذهباً سأجلِّيه لكم ، غَير أَنِّي وأنا أُقِرُ بذلك فإني أُعلن بأن مصلحتهما أُريد وسعادته ما أبتغي ، وليس شيءٌ أرجى عندي من بقائهما بجلائل الحب ومراكب الغرام ،
ثم أرخى بنظره إلى المجهول وأطاف : لو أنَّ الماء بقي على ركوده لأسِن ، والهواء لو حشر بين الجُدر لتغيَّر وفُتِن ، وكذا الطعام ترك على حاله لجفَّ وعَفن ، صيرورة الحياه في تقلبها وجريانها ،وما بين جريانها وتقلبها صورٌ شتى ، لا تستوي على حال أو تثبت عليه ، جمالها يكمل في مغالبة فصولها ، وفصولها تتقلب بين برد العواصف ولمع القواصف ، حر الهواجر وزهر العواطف ، فديمومة السير في مناحيها لا تتجلى إلا في معالجة صروفها ، ومقارعة سهام حتوفها ، فالنفوس تقتلها الرتابة ويخنقها الجمود ، تهوى مشاكسة الحبيب يوما ، وتكره زيف التكلف دوماً وتعشق الصدق وإنْ في حمأة الغضب ، ولا يقنعها الكذب وإنْ في برود التبسط .
ثم أطلق تنهيدةً وأضاف : لولا شرارة الحب ما تولدت لواعج القلوب ، ومن دون خلاصة الألم ما استمدت شعلة العواطف زيف بقائها ، ولذوت في غمرة الايام وابتلعها القدر المحتوم : لولا ألم الفراق لما جاءت حرارة العناق ، ومن غير دمعة الحنين ما احتدينا الى لوعة الاشتياق ، فإنّ من لم يعرف حرقة المعاد، فلن يدرك لذائذ الوصول ، ومن لم يخبر زفرات السُهاد ، فهيهات أن يكون لهُ حصول .
ثم سكت .
أطرق القاضي ملياً مما سمع ، ثم نطق بالحكم وكان فيه العجب ، كعجب الدعوى والمُدَّعَى عليه والمُدَّعِي ، حكم ببلاهة الحب ، وبراءة قصد الألم ،ثم أضاف : ويبقى الالم قرين الحب في كل مكان وزمان.
ومن يومها يتلازمان ، ببلاهةٍ وبراءةٍ، لا يفترقان .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق