تربوية

الضرب في المدارس بين الوسيلة والغاية.. والأمس واليوم!!

كانت مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الاخبارية في الايام الأخيرة حبلى بالأخبار التي تتحدث عن حوادث ضرب واعتداء من قبل بعض الاهالي على المعلمين في أكثر من محافظة بالإضافة الى الضجة التي أثيرت حول مقطع الفيديو الذي صور أحد المعلمين وهو يضرب بعض الطلبة في أحد المدارس والتي على إثرها أثيرت زوبعة حول القضية بين مؤيد ومعارض ومتحفظ.

وما لا يختلف عليه اثنان مكانة المعلم وقداسة الرسالة التي يحمل،وحرمة وجريمة كل من يحاول أن يعتدي عليه مهما كان السبب، كيف لا وهو من كان سبب في كتابة كلماتي هذه وهو سبب في أنك تقرأ  كلماتي أيضاً .

فبالتالي فإن من يساوي بين ضرب المعلم كسلوك قبيح وبين ضرب الطالب من قبل المعلم من باب التأديب والتأنيب والردع قد كان جاهلاً بأبجدياتالتربية والتعليم وبعيداً كل البعد عن فهم المنظومة الأخلاقية بل أنّه قد وضع نفسه في خانة الموتورين اصحاب ردات الفعل غير المدروسة.

وفيما يتعلق بقضية ضرب المعلم للطالب كان لا بد لي أن أعرج على النظم التربوية  والإرشادات التي جاء بها العلماء والمربين على مر التاريخ منذ بداية الإسلام حتى يومنا هذا لنجد بأن فكرة التأديب والضرب كانت جزء أصيل من العملية التعليمية في حال لم نجد بد منها وسيلة بغض النظر عن الكيفية المطبقة والرؤية في كل جيل وزمن.

ففي ديننا الإسلامي وجدنا الأحاديث تحث الآباء  والمربين على ضرب الأبناء في حال أعرضوا عنالصلاة وتركوها بغض النظر عن  كيفية الضرب التي قال بها العلماء وانما  هنا نريد ان نناقش الفكرة كفكرة  ليس إلا ، فقد جاء في أثر مرسل أن أحد الصحابة رضي الله عنهم قال: يا رسول الله! إن أهلي يعصوني فبم أعاقبهم؟ قال: “تعفو”، ثم قال الثانية، حتى قالها ثلاثًا، قال: “إن عاقبت فعاقب بقدر الذنب، واتق الوجه “والحديث هنا للطبراني في معجمه الكبير.

ذات الاثر يدلنا على ان  العقاب البدني كان له شروط وشكل يحقق المقصد الشرعي ويحول دون تمادي التلميذ والمتعلمين على رسالة العلم  والمتعلم  ويرقى بأنفسهم  وبعلمهم وبإخلاقهم  وهذا ما لمسناه جميعنا في اثناء تتبع سير السابقين  وسيل العلماء الذين خرجتهم حلق العلم  والكتاتيب والمدارس على مر التاريخ الاسلامي .

ورغم  شبه الإجماع عند التربويين في العصر الحالي على منع الضرب في المدارس وتشدق الكثير من ابواق الاعلام  والكتاب في الغرب حول تجريم الضرب والتأديب الا انهم  وجدو انفسهم في نهاية المطاف مضطرين للنزول عن الشجرة  والعودة مجددا لاتباع  هذا النمط في التربية والتعليم وإعادة تشريع الضرب كما هو حاصل في كثير من المدارس الاوروبية والغربية ومنها الامريكية  .

وان كنا لا نسمع عن قصص ضرب للطلبة في المدارس الغربية الا أننا نصم آذاننا  ونعمي ابصارنا عن جرائم اطلاق النار التي يقوم بها بعض الطلبة وحتى المعلمين  داخل اروقة المدارس والجامعات والتي في الاغلب يتم التكتم عليها اعلاميا واذا ما خرجت تخرج في الحد الضيق دون ان نجد هناك من يدافع او يهاجهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وبعد كل هذه المقدمات لا بد ان اجيب عن السؤال الذي استهللت به المقال الضرب في المدارس  هل هو وسيلة ام غاية  .

وسأبدأ بالاجابة عن الشق الثاني قبل الاول فلا اعتقد بان أي من المربين والمعلمين ان يكون قد حمل في قلبه  مقدار ذره من الكراهية لطالب بمجرد كونه طالب بل على العكس من ذلك كلنا ثقة بالمعلمين والمربين بانهم يتعاملون مع الطلبة على انهم جزء من حياتهم كيف لا وهم يمضون اغلب اوقاتهم بينهم  كمعلمين واباء ومرشدين وموجهين .

فلا يمكن ان تكون قضية الضرب لدى المعلم غاية بحد ذاتها بقدر ما هي وسيلة  بعد استنفاذ كلالحلول الممكنة مع الطلاب من اجل الامتناع اوتعديل او تقييم  سلوك يؤثر في نهاية المطاف على العملية التعليمية والانضباط المدرسي .

وحقيقة يجهلها الكثيرون من الاباء والامهات وحتىالمتابعين من خارج اسوار المدرسة سواء مجتمع مجلي او اعلاميين او مختصين تربويين وغيرهم بانالمثاليات  التي تحكيها كتب التربية شيء والواقع شيء اخر فالواقع التربوي الذي افرزته  البيوت والاباء والامهات ووسائل التكنولوجيا ورفقاء السور مختلفا تماما عن تلك الصورة الجميلة التي يحاول كل من الاباء ان يرسمها عن ابنه الذي بالأصل لا يراه  خلال ساعات  النهار لانشغال كل  منهما عن الاخر  .

ومرة اخرى اعيد واكرر الضرب لا يمكن ان يكون غاية بقدر ما هي وسيلة  بهدف التهذيب والتأديب للنفوس واعادة ضبط الواقع المدرسي لإرغام الطلبة  للانخراط في العملية التعليمية في شكل يضمن سيرها بعديا عن المنغصات ولإيجاد بيئة مدرسية  تمنع  الخروج عن الصورة المألوفة.

والوسيلة حتى تكون مقبولة مجمع عليها لا بد لها اتن تكون واقعية فالضرب بالمعنى التربوي يجب ان يكون اخر الخيارات وبدون ايذاء النفس وترك الاثر واحداث الضرر وفي ذات الوقت تحقق الردع وتمنعالتمادي من قبل الطالب.

ولكن وحتى نخرج من عنق الزجاجة كان لا بد لنا من القول بان الضرب كوسيلة للردع ليس مقصودة بذاتها وبالتالي وبما ان كل ولي امر ينظر الى ابنه على انه  مثالي وتزامنا مع اصوات حقوق الانسان التي تنادي بها المؤسسات والجمعيات  وبالإضافة الى رزمة التعليمات التي توجهها وزارة التربية بتجريم وتحريم ومنع الضرب لا بد ان يكون هناك عقوبات رادعة بعديا عن الضرب وتحقق المقصد والغاية التربوية والتعليمية.

وللخروج بنظرة شمولية تجعل من قضية الضرب خلف ظهورنا لا بد من توفر البدائل التي تضمن سير العملية التعلمية وانتظام المدارس وانتهاء ظاهرة التسيب والفوضى التي بالغالب تكون السبب لعقاب الطلبة وممن هذه البدائل:

1- تفعيل نظم العقوبات وتسلسلها بشكل يردع تمادي الطلبة وعدم الاستهانة ابي من المخالفات.  
2- تجريم التعرض لشخص المعلم مهما كانت الاسباب.
3- الاهتمام بالنظم التربوية داخل البيت قبل ان نلوم المدارس عن أي سلوك.
4- إعتدة هيبة المدارس والتعليم والمعلمين وجعلها خط احمر.
5- لجوء المعلمين الى استخدام اساليب تمتص الفوضى وتحبب الطالب للبيئة المدرسية.
6-  جعل العقوبات اخر الخيارات وخلق حلقة وصل قوية مع المجتمع  المحلي تتكفل بحل أي ظواهر دخيلة على المدارس .
7- إيجاد  حملة ضغط  أعلامية تبين اهمية احترام النظام المدرسي وتضع كل القوانين في نصابها الحقيقي والصحيح.

وأخيراً اقول .. لا خير في أمة لا تقدر المعلم  ولا خير في معلم لا يقدر الانسانية  والرسالة التي يحمل… ولنعد الجمال للمدارس والتعليم والهيبة للمعلم والرسالة التي يحمل…وبدلا  من الانشغال في نقد المشكلة  والظاهرة فلننشغل بمعالجة أسبابها والوقوف على  طرق تفاديها  .

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى