اشراقات أدبية

أُعلُ هُبل و مجدوا السلطان

أُعْلُ هُبَل.. أُعْلُ هُبَل.. ربما أول مرة سمعت هذه الأحرف كانت في أحد الأفلام التي تروي السيرة النبوية، حيث كان المشهد في غزوة أُحد عندما قدم أحد المشركين مستهزئًا بهزيمة المسلمين، فقال : أعْلُ هُبَل .. أُعْلُ هُبَل، وبحسب رواية البراء بن عازب رضي عنه في البخاري أن ذلك الشخص هو صخر بن حرب أبو سفيان أحد أهم قيادات قريش وسيدٌ من سادات مكة

من هو هُبَل الذي أعلاهُ كفار مكة في أُحد ؟

هبل هو أول صنم دخل مكة وأكثرهم تعظيمًا بالنسبة لقريش حيث جاء به عمرو بن لحي الخزاعي من بلاد الشام إلى مكة كي يعبده القوم و يتبركوا بهِ ، و تقول الروايات أن هُبَل كان مبتور اليد وقد صنعت له قريشٌ يدًا من ذهب تعظيمًا له و تقربًا إليه
ربما نستغرب من غباء قريش في بعض الأحيان ، فنقول كيف لهم أن يعبدوا صنمًا صنعوا له يدًا من ذهب، أو كيف لهم تقديس إله حملته قافلة من الشام إلى مكة بعربةٍ خشبية..كيف يكون هذا ونحن نعلم بأن التاريخ قد أنصف قريش و وصفهم بأكثر العرب حنكةً ودهاءً  !!
ربما هذا ما صُّور لنا
في الحقيقة لم تكن قريش بذلك الغباء الذي تم تسويقه في المدارس و الأفلام وبعض المنابر الدينية، فقط لتبسيط القضية التي سار بها سيد الكون وقائد المسير سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،
هناك قاعدة عامة تقول أن التقليل من حجم الهدف يقلل من حجم المهمة وهذا ما حدث عندما تم التقليل من حجم العقلية القرشية في الكتب والمناهج مما أدى ذلك إلى التقليل من حجم المهمة التي خاضها القائد محمد عليه أفضل الصلاة والسلام،

هل كان مشركوا قريش بذلك الحجم من الغباء ؟؟

إذًا فلنحدد أعمدة النظام القرشي كي نعرف النسبة، فلنتعرف عليهم بشكلٍ مبسط :
الرئيس الفعلي لذلك القوم هو عمرو بن هشام أبو الحكم أو أبو جهل أو فرعون الأمة كم وصفهُ رسوله   : (هذا فرعون أمتي)، وهذا الوصف ليس بالسهل، فشخصية فرعون شخصية قيادية ذكية وليست بالهينة، هذا الفرعون كان أصغر قيادات قريش سنًا وأكثرهم حكمة و دهاءً

وزير الاقتصاد القرشي صخر بن حرب أبو سفيان صاحب مقولة: أُعْلُ هُبَل.. وهو من قيادات قريش و من نخبها السياسية ومن كبار التجار فيها فهو  سيد بني أمية المعروفة بإشرافها على القوافل التجارية بين الشام واليمن،
وبعد ذلك أصبح من الشخصيات الإسلامية المهمة..

الفيلسوف القرشي الوليد بن المغيرة، حكيم قريش و سيد من أسيادها وأكثرهم علمًا بلغتهم، فهو الذي وصف بلاغة القرآن الكريم فقال عنه :
والله، إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته
رغم ذلك لم يسلم..

الناطق الرسمي باسم قريش سهيل بن عمرو صاحب الخطابات الجماهيرية في مكة والمفاوض الرسمي لها، فهو الذي تفاوض مع رسول في الحديبيةوبعد ذلك أصبح خطيب المسلمين في مكة..وله مواقف عديدة خصوصًا في الفتنة التي حصلت بمكة بعد وفاة الرسول

القيادات المماثلة كثيرة جدًا  في مكة، وبحاجة إلى مبحثٍ كامل يختص بتفاصيل كل فرد منهم فهنالك العديد من الكفاءات التي أصبحت قيادات ونخب الأمة الإسلامية بعد عدة عقود من الرسالة المحمدية مثل أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب و القائد الحربي خالد بن الوليد و داهية العرب عمرو بن العاص و معاوية بن أبي سفيان وغيرهم..

إذًا هذا القوم فيه القائد و الحكيم و الخطيب ورجل الإقتصاد والخبير العسكري والسياسي، و لو بحثنا في كتب التاريخ سنجد كل اسم قد ذكرناه ليس بالإنسان العادي بين عشيرته وقومه و منهم من ترك أثرًا فينا إلى يومنا هذا ..
الآن علينا أن نعود لخزان المعلومات السابق ونستبدله بشيءٍ جديد..شيء حقيقي و ملموس وموثق يقبله العقل الإنساني ومن ثم نعود إلى نفس السؤال بصيغةٍ جديدة :

كيف لقومٍ فيه قيادات و نخب تدير أكثر المدن تجارة آنذاك في الجزيرة العربية أن تكون غبية بهذا الشكل المروج له ؟

لنتفق أن رجال قريش ليسوا بالأغبياء كما يظن معظمنا ولنتفق أيضًا أن كل سلوك قد يمارسه كفار قريش مبني على أُسسٍ ممنهجةٍ و نابعة عن أفكار ومنافع فردية أو عشائرية و قبلية.

يقول المثل  ( لاتقطع اليد التي تمدك بالظل)
فكل ما في الأمر هو تلبية الحاجة والمنفعة الخاصة، حيث كانت تلك الأصنام هي التي تمد قريش بالظل السياسي والاقتصادي و الاجتماعي بالنسبة لكبار القوم الذين يمثلون الأغلبية التابعة لهم كما هو الحال في أي دولة، فالجمهاهير تتبع القيادات بطريقةٍ عمياء وصماء مهما كان سلوكها مادامت هناك منفعة اقتصادية أو اجتماعية تحمي الفرد من ممارسته الخاطئة في المجتمع
فكما يقول المؤرخ الفرنسي جوستاف لوبون في كتابه سيكولجية الجماهيرحول انصهار الجماهير بالجماعة من أجل ممارسة السلوك السلبي :
إن الجماهير تنصهر روحها الفردية داخل جماعة لتصبح روحاً واحدة تخفض من الملكات العقلية والتمايزات الشخصية والاختلاف فيما بينها، بالقناعات والمبادئ، فيسهل عليها أن تقوم بتصرفات سلبية لا تستطيع القيام بها إن كانت وحدها.”

تنقسم  تلك المنفعة إلى قسمين : منفعة كبرى للقائد و صغرى للتابع، و تزداد وتنقص نسبة المنفعة بشكلٍ طردي، فهي سلسلة حلقات يأخذ بعضها برقاب بعض.

لقد كانت معظم القيادات في قريش تعلم الحق و لكنها تجحده ، قال تعالى في سورة الأنعام وهي مكية النزول : {فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
لقد جحدوا الحق الذي جاء به رسول فهو يصطدم مع مصالحهم ومنافعهم و بالذات المنفعة الفردية التي نجدها في كل مجتمع بدائي أو حضاري، فهنالك في قريش من اتخذ الهجوم على الرسالة المحمدية والدفاع عن الأصنام دعاية انتخابية من أجل الوصول إلى القيادة القرشية ليس إلا..
ربما إلى الآن لم تتفق معي بكل ما قرأته سابقًا، خصوصًا علاقة الأصنام بقيادات قريش والمنافع الصغرى و الكبرى، فلا يوجد أدلة واضحة سوى أحرف تاريخية و بعض التحليلات للشخصيات القرشية فيما سبق..
و عدم الاتفاق أمرٌ طبيعيّ فكل ما قيل لك عبر السنين عن الشخصية القرشية قد تراكم بعمق في عقلك الباطن ، فأصبحت تلك الشخصية مرسومة في خيالك على شكل إنسان بدائي يجلس عند الصنم ويبكي أمامه ويطلب منه المال و البنون و يهاجم الإسلام بطريقة فزعة وعشوائية و يئد البنات و يشرب الخمر ويمارس الزنا

لنستنتج الإجابة معًا ونحلل ونعلل :

{فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}
قيادات ذكية تعرف الحق فتجحده ؟

هنالك أدلة متعددة لهذا السؤال وكل تحليل له دليله و وجهة نظره الخاصة به.. و لنلاحظ أنني أطرح وجهة نظري بأدلة مثبتة
أدلة قرآنية،أحاديث نبوية مثبتة و أدلة تاريخية وأدلة تحليلية أقرب للعقل

أجد أن أهم أسباب رفض الرسالة المحمدية من قبل كفار قريش هي المال و المنصب الإجتماعي وفي الحقيقة هذه الأصنام الثابتة التي نواجهها منذ النشأة الإنسانية إلى يومنا هذا، هذان السببان يتمثلان بصنم داخلي يجعلك تقتل وتسرق وتسجن وتكذب و تمارس أي سلوك سلبي من أجل تلبية الحاجة الشخصية رغم معرفتك الفطرية بأن ذلك السلوك خاطئ، وربما يصيبك الأرق في كل يوم وأنت تحاول تبرير ذلك السلوك لكن دون جدوى، فشعار الغاية تبرر الوسيلة أصبح جزءًا مصاحبًا لك في الحياة اليومية
كذلك هم كبار القوم في قريش برروا البطش والظلم من أجل الغاية، رفضوا رسالة الحق من أجل تلبية رغباتهم الشيطانية، فقد كانوا يبحثون عن مصالحهم من خلال تلك الأصنام  التي هاجمها سيدنا محمد.. فانهدام الأصنام يعني هدم صنم المنفعةالمال والمنصبالمشرع للسلوكيات السلبية للفرد أو العشيرة..

لنتفق  معًا على تسمية كبير الأصنام بـ صنم المنفعة(المال والمنصب) ” وهو أساس وجود تلك الأصنام.

لقد كان اقتصاد مكة قائمًا على القوافل القادمة من الشام واليمن و الحبشة و كانت مركزًا اقتصاديًا يجذب جميع القبائل العربية وهذا ما حث قريش على صناعة أصنام بأفكار وألوان متعددة، حيث وصل عددها إلى ثلاثمائة وستين صنمًا.
مكة كانت محفلاً سياحيًا و دينيًا ومركزًا اقتصاديًا و سياسيًا تستقبل فيه الأفواج من جميع قبائل العرب لقد كانت ساحة اجتماعية تربط التحالفات ببعضها البعض من خلال الأصنام، مثل معاهدات إيلاف الإقتصادية التي تنص على حماية القوافل المارة بمكة، فلننتبه أن إيلاف اسم صنم  في مكة ويعتبر إله القوافل وقد ذكره تعالى في سورة قريش وهي مكية النزول
(لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) [قريش : ١]
لقد كان هناك ارتباط اجتماعي بين العشائر من خلال الأصنام مثل ارتباط بني كنانة بهبل و قريش بالعزى و الأوس باللات و غيرها من الارتباطات فكل صنم من الثلاث مائة له منفعة خاصة اقتصادية أو اجتماعية ومنها سياسية
ولنعد إلى السطور الأولى ونستعدي معلومة هبل و أبا سفيان و غزوة أحد و نضيف عليها تحالف بني كنانة و قريش وارتباطهم بهبل كي نتستنتج اقتباس أُعْلُ هُبَل
غزوة أُحد كانت بين المسلمين من جهة و قريش و بني الحارث من كنانة من جهة أخرى ومن هنا نستنتج قول أبي سفيان أُعل هبللم يكن مجرد عبادةً لصنمٍ وإعلاء له بل كان شعارًا سياسي بين دولة و دولة جمعتهم الحرب، ولو شاركت الأوس والخزرج  وثقيف في تلك الغزوة لكان شعار أبو سفيان أُعل هبل و اللات والعزى و مناة

لا نستطيع الانكار بأن جزءًا من الدفاع عن تلك الأصنام نابع من موروث عقائدي لكنه سطحي جدًا خصوصًا أنه لا توجد حجة متينة سوى تلك الجملة المقتبسة من العهد الإبراهيمي هذا ما وجدنا عليه آباءنا “..فلم تكن هناك نصوص يستطيع القرشي الكافر أو العربي الوثني طرحها أمام منتقدها..وإذ بحثنا في كتب التاريخ سنجد أن قريش لم تكن تملك سوى حجة الأولين من أبائهم  هذا ما وجدنا عليه آباءنا“..

هذا ما حدث سابقًا قبل أربعة عشرة قرنًا وبضعة عقود، لكن ما علاقته بالقرن الواحد والعشرين؟

لو نظرنا اليوم من حولنا سنجد تلك النخب القرشية بحلتها الجديدة و  بمظهرٍ أخر يرتبط بشكل الدولة وتطورها، ففي كل حكومة فاسدة أو نظام ديكتاتوري ستجد أمية بن خلف والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة و أبي لهب وغيرهم من أولئك المنتفعين الجاحدين، وعلى رأسهم زعيم الدولة وفرعون الأمة أبو جهل، وجميع هؤلاء يقدسون الكرسي وريث هُبل العصري، وليس من الغريب أن يصنعوا له حذاءً من ذهب أو يمجدوه ليل نهار و يغنون له في كل محفل وحرب ومعركة كما كانت قريش تهزج لصمنها في كل موضع.

لنطرح ذلك السؤال من جديد : كيف لهم أن يعبدوا صنمًا صنعوا له حذاءً من ذهب، أو كيف لهم تقديس إله بشري أو كرسي خشبي..كيف يكون كل هذا ونحن نعلم بأن هولاء ليسوا بالأغبياء؟
فلننتبه هنا أنهم أيضًا نخب قومهم ودولتهم وجميعهم حاصلون على شهاداتٍ عليا و مناصب رفعية ولهم خبرة لا يستهان بها في السياسة والاقتصاد والعلوم الإنسانية.

إن كل ما في الأمر هو تغير شكل الصنم مع تقدم وتطور العصور، فالصنم اليوم متعدد الأشكال فمن الممكن أن يكون فكرة أو حزبًا أو رئيسًا أو سلطان وربما كرسي، كل هذه الأصنام أصنام شكلية و متغيرة لا تختلف عن صنم هبل و اللات و العزى فكلها وسيلة تحافظ على صنمٍ ثابت في الباطن الإنساني وهو صنم المنفعة المال والمنصبكما اتفقنا على أسمه سابقًا،
فمقصد المال بهذا الصنم هو الحفاظ على القيمة المادية في المجتمع، وأما مقصد المنصب فهو الحفاظ على المرتبة الاجتماعية بين القوم.

لذلك عندما تظهر فكرة جديدة  تطالب بإسقاط حكومة أو حزب حاكم أو رئيس دولة أو محاسبة فاسد أو مسؤول، فهي تطالب بهدم الصنم الشكلي أو الفخري المرتبط بالصنم الداخلي ألا وهو المنفعة المال و المنصبوالذي سيمس أعمدة الدولة شخصيًا، ولهذا سيكون دفاعهم شرسًا جدًا أمام تلك الأفكار من خلال الطرق والوسائل غير الشرعية، فقط للحفاظ على صنم المنفعة الذي قد شكل لهم القيمة المادية والاجتماعية في الدولة.

لقد كان نهج الرسول صلى عليه وسلم في مواجهة هذه الأصنام  هو نهج الاستئصال، استئصال الوثنية التي تهدم جميع الاصنام الشكلية و تغير مقاصد صنم المنفعة، فإن المقاصد هي أساس كل صنم وهي المزود الرئيسي للسلوك المضاد المحافظ على بقاء الأَوثان.

لذلك صدح صوت أبو سفيان بكل قوة عند جبل أحد وقال : أُعْلُ هُبَل..أُعْلُ هُبَل
أي أُعلُ ذلك الصنم الذي من خلاله نحافظ على صنمنا الداخليالمنفعةو الذي يحقق لنا قيمة مادية و اجتماعية بين القوم.
أو بالمفهوم العصري..
مجدوا السلطان الذي من خلاله نحافظ على مناصبنا و أموالنا والتي تحقق لنا قيمة مادية واجتماعية في الدولة.

__________
المراجع :
المفصل في تاريخ العرب
جمهرة أنساب العرب لابن حزم
مسند أحمد 3825
المحبر
سيكولوجية الجماهير
تحليل ابعاد ومنافع قريش من الأصنام : السيرة مستمرة





اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق