إشراقات سياسيةمن الذاكرة

طفل الشاشة الخضراء

الساعة السادسة صباحًا من يوم الخميس بتاريخ 20 آذار 2003، وكما تجري العادة في كل صباح من العام الدراسي اسمع صوت المنبه ثم نداء أمي فصراخ أبي ليتحول السرير من مكان للنوم إلى ملعب قفز بسبب النفير العام من قبل شرطة المنزل، وبعد ذلك تبدأ بروتوكولات التجهيز كارتداء ملابس الكتان ذات اللون البني المصفر “البيج” و ترتيب الحقيبة المدرسية المحشوة بكتب الصف السادس والتي تزن حجمي الصغير وغسيل الوجه و الأسنان، وبعد الإنتهاء من تلك البرتوكولات تبدأ الطقوس الصباحية التلفزيونية لمدة نصف ساعة تقريبًا حيث أشاهد المسلسل الكرتوني “الشجعان الثلاثة” على القناة الأردنية و أتناول معه وعاءً من الحليب مع رقائق الذرة “كورنفليكس”… لكن في ذلك اليوم ثمة أمر عجيب، فلم أجد وعاء الحليب الذي تعده أمي في كل صباح ولم أجد معه ألوان التلفاز الزرقاء والخضراء و البنفسجية وصورة المركبة النفاثة التي تطلق الليزر الأحمر على الأعداء القادمون من الفضاء..لقد كان هنالك شيئًا غريبًا..شيئًا ملفت لعيون الصبي الذي اعتاد على الصورة الملونة الكرتونية، فقد تغير شعار الصقر المرتبط بالقناة الأردنية إلى شعار ذهبي مكتوب عليه “الجزيرة” بخط مكور، وكانت الشاشة خضراء اللون يخرج منها صوت انفجارات متتالية ودخان يصعد من المباني و أضواء تنتقل من زاوية إلى أخرى، ظننت للوهلة الأولى أن أبي انتقل للقناة الأردنية الثالثة التي تعرض أفلام الأكشن الأمريكية في الليل ، لكن لم تكتمل تلك الوهلة فقد أدركت أن القناة لا تبث أفلامًا في الصباح، بعد ذلك ظهر خط أحمر أسفل الشاشة مكتوبٌ عليه : 30 شهيد جراء قصف جوي في مدينة البصرة.

في ذلك الوقت لم تتغير ملاحم الشاشة فحسب بل تغيرت ملامح البيت أيضًا، وكأن مشهد الانتفاضة الفلسطينية الثانية في عام 2000 يكرر نفسه، نفس العيون ونفس النظرات بل حتى نفس صوت الهدوء المليء بالخوف.

الجميع يقول : قُصفت العراق..لقد دخلها ذلك الأرعن المدعو بوش الصغير و أذنابه، وآخرون يتساءلون هل سيقصف صدام إسرائيل مرة أخرى؟؟ هل سنضع اللواصق على شبابيك البيت ونلبس الكممات كما لبسناها في الـ91؟؟ ، لقد كان المشهد مريبًا جدًا حتى أنه لم يكن بهذه الحالة في يوم الانتفاضة، و لم أفهم أيضًا ماذا تعني تلك المصطلحات : “حرب، شباك، قصف، صدام، بوش، 91، كممات ” فكل ما أعرفه عن الحرب هو ذلك الكرتون الملون “هزيم الرعد، جرندايزر، عدنان ولينا، صقور الأرض..” و ربما راح ذهني تمامًا إلى المسلسل الكرتوني عدنان ولينا في تلك اللحظة لأنني سمعت أحدهم يقول : الجيش الأمريكي سوف يقتل كل علماء العراق، خصوصًا علماء الطاقة وبالفعل ربطت هذا القول بجد لينا الدكتور رامي عالم الطاقة الشمسية الذي كان يبحث عنه جيش علام.

بعد ذلك صعدت إلى السيارة مع أمي كي تقلني إلى المدرسة وكانت خائفة جدًا كأي أم تخشى الحرب و العنف خصوصًا تلك التي مرت بعدة حروب في حياتها، وكان كل ظنها أن الأردن سوف يدخل هذه الحرب..

وأمّا المدرسة.. فكان الحداد يملأ صفوفها فلم نأخذ أي حصة، وكلما يدق الجرس لتبدأ حصة جديدة يدخل علينا المعلم و يقول ما قاله الذي سبقه : العراق تقصف و لن نعطي درسًا اليوم..ومن ثم يبدأ بالحديث عن العراق و الأمة العربية.

وممَّا خزنته ذاكرتي في ذلك اليوم هي دموع معلم اللغة العربية التي كانت تسيل على خديه كقطرات الندى الصباحية فكانت عيناه يسكنها القهر وهو يحدثنا عن مجد العراق وحضارتها و شعبها الطيب، لقد بكيت حينها لكن لم أعرف لماذا !! فكل ما أعرفه أن هناك شر قد اقترب، كيف ومتى وأين لم أكن أعرف !! كنت خائفًا جدًا وبكيت كثيرًا، بكيت كما بكى أبي و معلمي و الناس جميعهم فالكل يردد “إنها العراق مهد الحضارات ” والدموع تسيل وتسيل بل أكاد أجزم أنها تنزف دمًا.

لم أكُن أفهم ماذا تعني تلك الكلمات والملامح والدموع التي كانت على وجوههم كشلالات نياجارا، فكنت صغيرًا على أن أفهم ماذا تعني “إنها العراق مهد الحضارات” وبعد ذلك اليوم ثُبتت قنوات الأخبار في بيتنا و في صالون الحلاقة و بقالة التموين و بائع الخضروات وكل بيتٍ عربي، مرت سنين عديدة على ذلك الحدث الذي لم تخلُ من بعده العواجل اليومية : ” مسجد سني، مسجد شيعي،قصف، انتحاري، لجوء، اقتتال طائفي، تعذيب، خطف، فساد..

” لقد كبرت بصحبة تلك الأخبار فأصبحت واعيًا بما فيه الكفاية كي أفهم تلك الصفات القهرية على وجوه الرجال قبل عدة سنوات فبدأت تتضح ملامح ذلك الشر الذي شعرت باقترابه و أدركت حينها أن ذلك اليوم كان بداية الدمار فقد سقطت أُم العواصم عاصمة الرشيد بغداد، سقطت الحامية الشرقية وخط الدفاع المتين للوطن العربي، وبالفعل منذ سقوط تلك العاصمة لم يفارق ذلك الخط الأحمر شاشة التلفاز، بل أصبحت تنقسم الشاشة إلى أربع شاشات وفي كل مربع دولة يعيش فيها الدمار والخراب..

وأمّا اليوم صار عمري سبعة وعشرون عامًا أي مر على ذلك الحدث عقدٌ ونصف، عرفت فيهم الموت في سوريا و ليبيا و فلسطين ومصر واليمن والسودان ولبنان، ربما لم تمسسني طلقة أو شظية ولم أسمع دوي انفجار ولا حتى صوت صفارات إنذار قط ، لكن ذلك المشهد الذي تراه خلف الزجاج التلفزيوني كان مشهدٌ مهيباً؛ أن ترى غيمة سوداء مظلمة تقترب نحوك حاملة معها دوي الانفجارات و أشلاء الطفل تحت الركام و نحيب الأم المثكولة و دموع الرجال و تلك الصورة الخضراء التي تنقل لنا القصف بكل وضوح..

لا أعلم هل كانت تلك الطفولة نفسها التي يجب أن تكون؟ حيث فُتحت أعيننا على مشاهد القصف والقتل والدمار…أحقًا هي تلك الطفولة !!

وأنا أكتب هذه الأحرف تذكرت أغنية الطفلة ريم بندلي ” أعطونا الطفولة” ومن ثمَّ استمعت إليها، حيث تقول فيها :
جينا نعيدكم… بالعيد منسألكم
ليش ما في عنا… لا عياد ولا زينة
يا عالم
أرضي محروقة أرضي حرية مسروقة
سمانا عم تحلم… تسأل الأيام
وين الشمس الحلوة…
ورفوف الحمام

أعطونا الطفولة… هذا ما عبرت عنه ريم البندلي في أغنتيها والتي تعبر أيضًا عن كل طفل عربي شاهد وعاش تفاصيل الحرب سواء على أرض الواقع أم خلف الشاشات ففي نهاية المطاف تم انتزاع الطفولة من قلوبنا..

وبعد ستة عشر عامًا يعود المشهد من جديد إلى بلاد الرافدين لكن هذه المرة بحلة جديدة فمن يشعل الشارع هم أولئك الذين اغتصبت طفولتهم و ذاقوا مرار الحرب الأمريكية هم أيضًا الذين ملوا الطائفية النتنة، هاقد صُقل ذلك الطفل ونضج بعد تلك التراكمات التي دامت كل هذه السنين فقد خاض تجاربًا عديدة من خلالها ، حيث مر بتجربة الرُبع الأخير من نظام صدام ومن ثم الاحتلال وبعد ذلك تجربة المؤسسات الدينية الطائفية وأجندتها الخارجية ومن ضمن تلك التجارب الفساد المتفشي و المتلازم مع كل تجربة، ربما تلك التجارب صنعت شخصية عراقية جديدة ترسخت بداخلها مفهوم الوطن والدين والإصلاح والبناء والحرية ولربما جعلته أكثر وقاية من تجار الطوائف والأحزاب وأقرب لذلك الطفل العراقي الذي ينتظر الشاشة الملونة في كل صباح مع وعاء الحليب ورقائق الذرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق