ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

“زاوية الشيخ برهان الدين الجعبري” .. ذكرٌ وتخليد لسيرة علامة في الخليل

800 عام مرت على ذكرى مولد الإمام برهان الدين الجعبري أراد فيها مجموعة من المهتمين والمثقفين إحياء ذكراه بطريقة مختلفة هذه المرة عبر إقامة زاوية خاصة بكتبه وتراثه في معرض الكتاب التابع لمهرجان الخليل الأول والتعريف به عبر إقامة سلسلة من النشاطات الساعية .

الهدف الرئيس من هذه الزاوية التعريف بهذا العالِم الذي كانت له بصمات علمية راسخة، واعتبره كثيرون من العلماء أبرز علماء القراءات في القرن الثامن الهجري، والذي اعتنى الدارسون – خارج فلسطين – به وبكتبه، حتى أنه تم إعداد ما يزيد عن ستين بحثًا علميًّا في الجامعات المختلفة من رسائل ماجستير ودكتوراة في تحقيق كتبه ودراستها والغوص فيها، إلا أنه لم يكن فيها أي بحث تمّ في جامعات الوطن.

 

برهان الدين هو (إبراهيم بن عمر بن إبراهيم) الجعبري الخليلي الشافعي، ولد في قلعة (جعبر) شمال سوريّا، سنة (640ه)، كان والده من أهل العلم، وقد اعتنى به منذ صغره، وألحقه بمجالس العلماء ، بدأ طلب العلم في قلعة جعبر وما قرب منها كـ (حلب و(الموصل)، منذ كان في السابعة من عمره، ثم رحل إلى بغداد بعد سنة (660 هـ)، والتحق فيها بالمدرسة النظامية، وفي بغداد ترسخت قدمه في العلوم الشرعية، وبدأ رحلته بالتأليف فيها، ثم عاد إلى دمشق بعد سنة (680 هـ)، وعمل معيدًا في المدرسة الغزالية فيها، في ما بعد عُين شيخًا للحرم الإبراهيمي وانتقل إلى مدينة الخليل للإقامة فيها في سنة (687 هـ).

انتشر صيته وهو في مدينة الخليل ورحل العلماء إليه لتلقي العلم عنه من شتى بقاع العالم الإسلامي، مشرقه ومغربه، وقد أثنى علماء عصره على علمه وأخلاقه ومؤلفاته، ومن ذلك قول تلميذه الإمام (شمس الدين الذهبي) عنه: “العلامة الأستاذ المحقق، شيخ القراء، كان روضة معارف”، وقول تلميذه الإمام (ابن رافع السلامي) عنه: “كان فاضلا صالحًا، خيِّرًا، محبوبَ الصورة، حَسَنَ الهيئة، مليحَ الشكل، ساكنًا وقورًا، بشوشًا بمن يَقْدُمُ عليه”، وقول الإمام (ابن كثير) في وصفه: “كان من المشايخ المشهورين بالفضائل والرياسة والخير والديانة والعفة والصيانة”.

وقد توفي في مدينة الخليل سنة (732 هـ)، وعمره نحو (92) سنة

 

المهندس عيسى الجعبري باحثٌ وكاتب من مدينة الخليل وأحد المهتمين والمشرفين على الفكرة ، في حديث خاص لإشراقات تحدث فيه عن أهمية التعريف والتذكير بعناصر تاريخ المجتمع وعلمائه و لمن لهم بصمات واضحة في الحياة العلمية عبر التاريخ الإسلامي مثل الشيخ الجعبري يؤكد لنا الأستاذ عيسى أن هذه الفعالية  كانت الأولى ضمن سلسلة تعريفية قادمة ، والتي سبقها بقليل إنشاء مواقع على وسائل التواصل الاجتماعي منها صفحة على الفيسبوك تُعنى بتراث هذا الإمام

 

و يصف لنا الجعبري تفاعل الزائرين والمهتمين بفكرة الزاوية بقوله :” مما رأيته وسمعته من تعليقات الزائرين للمعرض – أننا نجحنا في إيصال الفكرة، والتعريف بهذا العالم، فحتى أن كثيرًا الإخوة من أساتذة كليات الشريعة أقرُّوا بأنهم كانوا لا يعرفون عنه سوى معلومات قليلة، فقد قال بعضهم أنه كان يسمع به، ويظن أن له عدة مؤلفات قد تكون أربعة أو خمسة مؤلفات، ولكن عندما رأوا ما عرضناه، وعلموا أنه ألَّفَ نحو مائة وخمسين كتابًا، والمعروف أنه موجود منها في مكتبات المخطوطات خمسون كتابًا، منها خمسة وثلاثون كتابًا تم تحقيقها أو نشرها، فوجئوا بذلك. وقد كان عدد من طلبة الدراسات العليا في العلوم الشرعية الذين زاروا المعرض يسألون عن كتبه المخطوطة غير المحققة مبدين استعدادهم للعمل على تحقيقها في رسائلهم الجامعية”.

 

ويؤكد المهندس عيسى على أن الفعاليات الخاصة بالعلاّمة الجعبري ستستمر وأن معرض تراثه وكتبه كان الفعالية الأولى ضمن سلسلة ستشمل إقامة محاضرات للتعريف به وبمؤلفاته بالإضافة إلى متابعة نشر أخبار مؤلفاته والبحوث المتعلقة بها عبر مواقع التواصل الاجتماعي ، ثم إلى نشر سلسلة مقالات حوله وحول علومه في موسوعة الويكيبيديا. و تجميع ما لم يتم الحصول عليه بعد من كتبه ومخطوطاته لتوفير مؤلفاته للمكتبات العامة في الوطن وحث الباحثين الفلسطينيين للعمل على دراستها وتحقيقها 

.

فيما يعتقد المهندس عيسى أن المعرض أثار في الباحثين الرغبة في إحياء تراث بقية علماء الوطن والتعريف بهم، مما يشجع في مرحلة قادمة أن تشهد الخليل معرضًا يشمل التعريف بمجموعة متكاملة من العلماء وتراثهم

 

وعلى الجانب نفسه يؤكد المهندس عيسى على أن زاوية عرض تراث الإمام برهان الدين الجعبري أظهرت كم الحاجة إلى التعرف على الصفحات المشرقة من التاريخ، و حجم  التقصير في هذا الجانب، متمنياً أن تكون هذه الفعاليات قد وفّرت الدافعية للكثيرين للغوص في هذا التاريخ واستخراج كنوزه، حتى تتوفر النماذج التي يجب أن يتك تقديمها للأجيال الناشئة لتشكل القدوة لهم

 

هذه الفعالية التي كانت من الأنشطة الثقافية التي أقيمت في مدينة الخليل ضمن مهرجان الخليل الأول ومن معرض الكتاب تحديداً الذي أقيم الشهر المنصرم شاملاً زوايا منوعة  والتي كانت إيجابية بمجملها كما يصف الجعبري والذي يرى فيها أن وجود الأخطاء والعثرات أمر طبيعي في عملٍ بهذا الحجم، مما لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن الجانب المشرق لهذه النشاطات حسب قوله .. 

 

وفي ختام حديثه وجه الجعبري كلمته  للشباب الناشئ:” لقد حفر آباؤنا أسماءهم في صفحات التاريخ بجهدهم  ومثابرتهم وارتقوا بالعلم والدين في مدارج العُلى، وهذا الطريق أمامكم واضح المعالم، وتذكروا أن من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم أيضًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.