ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الصحف البائتة .. طازجة في المُعتقل

واقع المعتقل موحشٌ،صلدٌ،جاف على القلب،حادٌ على النفس، تنعدم فيه سُبل الوصول للمعلومات إلا من خلال قنوات متلفزة محددة موجهة،وقليل من الإذاعات التي تشق أخبارها الأسيرة غير الشاملة لأسماع المعتقلين , فالمذياع هو الأخر مقيدٌ تحت سياط أجهزة تشويش يخنق أنفاسهما معاً.

تتجه الأنظار في مثل هذه الظروف لإفتراس بدائلاً للمعرفة وأخبار العالم الغافل عن ظروفهم ومعاناتهم،فتصطاد عيونهم الكتب المسموح بإدخالها مع الصحف القديمة الصادرة قبل شهروأكثر .

وما إن تدق الصحف باب القسم بالمعتقل،يحتضنها المعتقلين كأرض عطشى،كسماء فقدت لآلِئّ نجومها ليلاً،كرضيع إشتم رحيق والدته،كجائع تقوده معدته إلى مائدة شهية. تُوزع الصحف على الغرف مساء قدومها،تُشكل غرفة عمليات في كل غرفة،تُقسم الصحيفة على أفراد العلبة الإسمنتية ،يقرأونها بعين واعية وعقل متفحص،يعقدون جلسة تُهضم فيها المقالات بأنواعها والأخبار الإقليمية المحلية والعالمية،تُحلل، تُعلل،و تُناقش بإستماتة،فهذا يصوب وذاك يؤكد،خلية نحل تُنقح الصحيفة أكثر من محرريها،يضعون خطوطا عريضة لتميز الهام،تستمر حالة التأهب هذه حتى ترفع الصحيفة الراية البيضاء منهكة الجسد،ممزقة الاعضاء،تصرخ بصمت لا يُسمع ولايُرى،يُكمل المعتقلين ليلتهم مُشبعين بدسم معرفي عال لعله يُقيتهم في إنتظارهم لقدوم عدد قديم جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.