ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الدولة و السيادة في ظل العولمة

المقدمة :

في ظل التشابك في العلاقات الدوليه ، ومع بروز العولمة في العصر الحاضر ، برز الى الواجهة موضوع الدولة وسيادتها في ظل العولمة ، وكيف تأثرت الدولة بالعولمة ، وماهي الادوات التي تستخدمها العولمه .

السيادة احتلت مركزا في لغة السياسة  ، وتعتبر من اهم مظاهر الدولة  ، واي خلل في سيادة الدولة يحدث خللا في بنيان الدولة ، وما يجري على الساحة الدولية اليوم, هو نوع من الانقلاب الجذري في العلاقات بين الدول, وفي تلك العلاقة التقليدية بين الحاكم والمحكوم ، وقد يكون بداية تحوّل سياسي جذري في تاريخ العالم السياسي والمفاهيم المؤطرة لعلاقاته ، فإن السلطة السياسية, وخاصة في العالم المتلقي لتأثيرات العولمة, أخذت تفقد دورها بشكل متسارع من أن تكون تلك البؤرة التي يدور حولها كل شيء .

لقد شكلت العلاقة ما بين الدولة والعولمة أحد أهم نقاط الخلاف والتباين ما بين الباحثين لما للعولمة من انعكاسات على العديد من الأصعدة ، وقد اختلف الباحثين على انعكاس العولمة على سيادة الدول ، فقسم  يرى في العولمة أنها أذابت سيادة الدولة وقلصت من نفوذها وسيطرتها على حدودها السياسية الأمر الذي جعلها عرضة للتدخل الأجنبي وتدخل الشركات متعددة الجنسيات في شؤونها الداخلية، أما القسم الآخر فيرى في العولمة أنها لم تفقد الدولة مكانتها وأهميتها ولكنها غيرت من وظائفها والتي تتغير باختلاف الأزمان والظروف .

وخلال هذا البحث فسوف أتطرق في القسم الأول منه الى مفهوم الدولة والسيادة ومراحل تطور ونشوء الدول ، أما في القسم الثاني فسوف أتناول موضوع العولمة من خلال علاقتها بالدولة ، وسوف أتطرق الى الآثار والانعكاسات الاقتصادية والسياسية والثقافية الناتجة بفعل العولمة ،

مفهوم الدولة :

لقد مر التطور التاريخي للدولة باربع مراحل :

1- العشائر والقبائل ( المجتمعات البدائيةPrimilive societes ) وكانت تقوم على مجموعه من الناس الذين تجمعهم العائلة او القبيلة .
2- الامبراطورية القديمة ، وفيها تطورت الدولة القديمة باجتماع القبائل والعشائر لتنشيء مدن كبيرة ، تجمعت او كانت نواه لامبراطوريات كالامبراطورية الرومانية .
3- دول القرون الوسطى ، بعد تلاشي الامبراطوريه الرومانية في اوروبا وظهور اشكال جديده للدول .
4- الدولة القومية الحديثة ، Modern National State ، وتم ترسيخ وجود الدولة القومية وسيادتها الوطنية في اوروبا بعد معاهدة “وستفاليا 1648” التي اعترفت بحدود الدول القومية واقرت الاحترام المتبادل لسيادة هذه الدول على أراضيهاومواطنيها .

تعود جذور كلمة الدولة للغة اللاتينية لكلمة Position التي تعني الوقوف، كما ظهر مصطلح الدولة في اللغات الأوروبية في مطلع القرن الخامس عشر، وفي القرن الثامن عشر تطور مصطلح الدولة واستخدم تعبير Publicae اللاتيني والذي يعني الشؤون العامة.
وللدولة عدة تعريفات وُضِعت من قبل العديد من المؤسسات ولاسيما الأوروبية منها، إلا أن التعريف الأكثر شيوعاً لمفهوم الدولة هو تعريف المفكر الألماني ماكس فيبر – Max Weber إذ عرَّفها بأنها فاعل مؤسسي يتمتع بسيادة وحق حصري في استخدام لبعنف المنظم في اقليم محدد.
كما عرَّفت موسوعة لاروس – Larousse الفرنسية الدولة بأنها: “مجموعة من الأفراد الذين يعيشون على أرض محددة ويخضعون لسلطة معينة“.
في حين رأى العديد من فقهاء القانون الدستوري أن الدولة: “كياناً إقليمياً يمتلك السيادة داخل الحدود وخارجها، ويحتكر قوى وأدوات الإكراه”.

يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنَّها ((  كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية ، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية ، وهي أيضاً وحدة سياسية واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلاَّ بها)). و يرى ابن خلدون أنَّ حاجة الإنسان للغذاء والكساء والمأوى والدفاع عن النفس هي التي تدفعه إلى الانتظام في مجتمع إنساني، فالإنسان لا يستطيع أن يسد حاجته للغذاء بمفرده،لأنَّ ذلك يتطلب أعمالاً كثيرة لا يستطيع أن يقوم بها بمفرده ، فلابد من تعاونه مع رفاقه. والإنسان معرض للخطر ليس من جانب الحيوانات المفترسة فحسب، بل من جانب أخيه الإنسان ،لذا لابد من وجود سلطة تحول دون اعتداء الناس بعضهم على البعض الآخر،وهذا ما أسماه ابن خلدون بـ (( الوازع ))، أو (( وازع حاكم))

تُعرّف الدولة بأنّها كيان قانوني، وسياسي ذاتي الحكم، يمتلك مساحةً معينةً من الأرض، التي يسكنها مجموعة من الأشخاص التابعين لأمةٍ واحدة، أو لمجموعةٍ من الأمم، ويُشير مصطلح الدولة إلى الأبعاد، والحدود الجغرافية لمنطقةٍ ما.

وظائف الدولة :

الدولة جاء انشاؤها كاستجابة منطقية لضرورات تطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فبتطور المجتمعات والشعوب كان لابد من جسم ينظم العلاقات بين الافراد والجماعات بالاضافه الى علاقة الجماعات بعضها ببعض  ، كذلك القيام بالوظائف الخدماتيه المختلفه ، لذا كانت الدولة التي تكفلت بمجموعه من الوظائف اعدد منها :

أ\ سن قوانين عامة لتحقيق الاستقرار والامان والعدل في الدولة .
ب\ حماية الدولة والشعب، بتأسيس قوات عسكرية.
ج\ حفظ الأمن والنظام الداخلي .
د\ الفصل في المنازعات الفردية من خلال تشكيل جهاز قضائي.
هـ\ رعاية وتطوير العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى.

و\ حماية حقوق الأفراد وحرياتهم الفردية والشخصية داخل الدولة.

ينظر الى وظائف الدولة من خلال ثلاث مستويات او درجات : اولا : احترام ( respect ) دور الفرد ، هذه الدرجة تخص ترك المساحة اللازمة للفرد للتعبير عن حقوقه  واحتياجاته في مجالات الحياة المختلفة ، او البحث عن السعادة كما يراها هو دون تدخل من الدولة ، ثانيا :  حماية (  Protect ) تلك المساحة من تدخل طرف ثالث والهيمنة على اختيارات الافراد وحقوقهم ، ثالثا : المساعدة على التحقيق (  Fulfill  ) احتياجات الافراد واحلامهم ، مع اخذ تلك الدرجات بالاعتبار يمكن الحديث عن وظائف الدولة من خلال القطاعات المختلفه .

مقومات الدولة :

انّ لإقامة الدولة عدداً من الأركان والمقومات التي يشترط توفرها ووجودها، وتتمثل بالتالي:

مساحة من الأرض، وتشتمل على اليابس وكذلك المجال الجوي، وهو ما يعلو يابس الدولة ومياهها الإقليمية إن وجدت، وتعرّف المياه الإقليمية على أنها شريط مياه المحيط أو البحر المجاور للدولة ويخضع تحت سيادتها.
مجموعة من السكان المقيمين عليها والحاملين لجنسيّتها.
سلطة سياسية حاكمة، وتتمثل بوجود الحكومة التي تتعامل بسياسة داخلية معيّنة مع شعبها، وتكون هذه السلطة مسؤولة عن الاستغلال الأمثل لموارد الدولة، كما يقع عليها توفير الأمن للدولة من أي اعتداءات خارجية أو اضطرابات داخلية، وسياسة خارجية أخرى تمارسها مع باقي الدول.
اقتصاد منظم، ويشمل ما تملكه من موارد اقتصادية؛ كالثروات المعدنية والنفطية وكيفية استغلالها.
نظام حركة متمثّلاً بوسائل الاتصالات والمواصلات في الدولة، والذي يمكّنها من إنجاز مختلف الوظائف في كلّ الأوقات.
السيادة، ويقصد بها أن تمارس السلطة صلاحياتها وسلطاتها التي تمتلكها على السكان والأراضي المستقلة الخاضعة لها.
الاعتراف الدولي، بمعنى أن يتم الاعتراف بالدولة من المؤسسات والهيئات الدولية المختلفة.

و استنتج الدكتور مشاري الرويح في كتابه العلوم السياسية ان المكونات الجوهرية للدولة هي:

اولا- نظام مؤسسي- قانوني

ثانيا- مؤسسة تتمتع بحق حصري ومشروع في استخدام القوة

ثالثا- تتمتع بالسيادة

رابعا- مجتمع

 

خامسا- اقليم جغرافي.

مراحل تطور الدولة :

تمرّ الدولة كغيرها من الأمور بسلسلة من المراحل بدْءاً بمرحلة الطفولة ووصولاً إلى مرحلة الشيخوخة، وهو ما سنعرضه فيما يلي :
مرحلة الطفولة: وتعني بداية نشوء الدولة، والتي تتميز بالبدء في تثبيت حدود الدولة والحكم فيها، كما تتميز علاقات الدولة في هذه المرحلة بحسن الجوار، والابتعاد قدر الإمكان عن الصراعات العالمية، وتتبع سياسة الدفاع عن النفس بشكل عام، ومن الأمثلة عليها، أغلب دول الخليج العربي؛ كقطر والبحرين.

مرحلة الشباب: وتعني تلك المرحلة التي تمتلك فيها الدولة مصادر القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، والتي تحاول فيها الدولة تحقيق الكثير من أهدافها، وقد تخوض الحروب من أجل الوصول إليها، ومن الأمثلة عليها في وقتنا الحاضر الولايات المتحدة الأمريكية.

مرحلة النضج: وتصل إليها الدولة إذا ما استقرّت، وحققت التقدم والتنمية في المجال الاقتصادي، وتكون قوتها العسكرية محصورة في الدفاع عما تمتلكه، مثل معظم الدول الأوروبية.

مرحلة الشيخوخة: وهي المرحلة التي تتميز فيها الدولة بضعفها وتفككها، وقلة سيطرتها على المناطق التابعة لها، إضافة إلى تدخل الدول الأخرى في أمورها الداخلية، ومن الأمثلة عليها الاتحاد السوفييتي قبيل تفككه سابقاً.

مرحلة الطفولة

مرحلة الشباب

مرحلة النضوج

مرحلة الشيخوخه

 


مراحل تطور النظام الدولي :

1- المرحلة الاولى وتبدأ منذ عقد معاهدة  وستفاليا عام 1648 التي اقامت النظام الدولي الحديث المبني على تعدد الدول القومية ، واستقلالها وتنتهي بقيام الحرب العالميه الاولى.
2- المرحلة الثانيه وتبدأ منذ انتهاء الحرب العالمية الاولى
3- مرحلة العولمة او ما بعد حادثة 11 سبتمبر 2001م، حيث بدأت امريكا بوضع استراتيجيه جديده لانتاج نظام دولي جديد .

السيادة :    Sovereignty

السيادة من اهم اركان الدولة ، ومن الأفكار الأساسية التي أسس عليها صرح وبنيان القانون الدولي المعاصر، وقد مرت نظرية السيادة بمراحل متعددة، و السيادة وضع قانوني ينسب للدولة ، وهي تمثل ما للدولة من سلطان تواجه به الأفراد داخل إقليمها وتواجه به الدول الأخرى في الخارج ، وليست هناك دولة دون سيادة وهذا ما كرسته المادة الثانية فقرة اولى من ميثاق الامم المتحده بقولها : (( تقوم المنظمه على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الاعضاء )) وانه ليس للامم المتحدة ان تتدخل في الشؤون لبتي تكون في صميم  سلطان الدولة.

يقول جان بودان Bodin الذي كان اول من ادخل اصطلاحا السيادة بان مفهومها الذي ارتبط ارتباطا مصيريا بالدولة ، يقوم اساسا على مفهوم الدولة القومية ، باعتبار ان السيادة هي السلطة العليا التي تصدر الاوامر الى الجميع ولاتتلقى الاوامر من احد  .

ولكي يكون هناك وجود قانوني للدولة ،يجب ان يكون لها السيادة على ارضها ،  وان تقوم بالوظائف الخاصه بالمفهوم القانوني للدولة على ارضها .

مفهوم السيادة :

السيادة لغة: من سود، يقال: فلان سَيِّد قومه إذا أُريد به الحال، وسائِدُ إذا أُريد به الاستقبال، والجمع سَادَةٌ  ، ويقال: سادهم سُوداً سُودُداً سِيادةً سَيْدُودة استادهم كسادهم وسوَّدهم هو الـمسُودُ الذي ساده غيره فالـمُسَوَّدُ السَّيّدُ

والسَّيِّدُ يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم ومُحْتَمِل أَذى قومه والزوج والرئيس والمقدَّم، وأَصله من سادَ يَسُودُ فهو سَيْوِد، والزَّعامة السِّيادة والرياسة.

السيادة اصطلاحا :

عرفت السيادة اصطلاحاً بأنها: “السلطة العليا التي لا تعرف فيما تنظم من علاقات سلطة عليا أخرى إلى جانبها”

وعرفت بأنها: “وصف للدولة الحديثة يعني أن يكون لها الكلمة العليا واليد الطولى على إقليمها وعلى ما يوجد فوقه أو فيه”

وعرفت أيضاً بأنها: “السلطة العليا المطلقة التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال”

والتعريفات السابقة متقاربة, ولعل أشملها لمفهوم السيادة هو التعريف الأخير؛ لوصفه السيادة بأنها: سلطة عليا ومطلقة, وإفرادها بالإلزام وشمولها بالحكم لكل الأمور والعلاقات سواء التي تجري داخل الدولة أو خارجها

مظاهر السيادة :

مظاهر السيادة للسيادة مظهران أساسيان هما :
اولا – المظهر الخارجي:

وفيه يتمّ تنظيم علاقات الدول فيما بينها على ضوء الأنظمة الداخليّة لكلّ دولةٍ، فالدولة صاحبة السيادة تنظم علاقاتها الخارجية بما تمليه عليها مصالحها الوطنيّة والسياديّة، وبما يحفظ خصوصيّة كلّ دولةٍ من هذه الدول، فلا تخضع دولة لأخرى وتتساوى مع غيرها من الدول في حقوقها السياديّة على أرضها وأنظمتها، وشبكة علاقاتها الخاصّة، داخلياً وخارجياً.

السيادة خارجيا

الانضمام للمنظمات الدولية

توقيع الاتفاقيات والمعاهدات

قبول البعثات الدبلوماسية

 

ثانيا –  المظهر الداخلي:

ويتمثل في بسطها لأنظمتها وسلطاتها على إقليمها وولاياتها أو محافظاتها، ويشمل ذلك ايضاً الرعايا الذين يعيشون في كنفها، وتكون أنظمتها الخاصّة وأحكامها هي المعتمدة في كافَّة شؤون مواطنيها ورعاياها، وهذا الأمر بخلاف الإسلام حيث يتيح لأهل الذمّة الحريّة في تطبيق أحكامهم الخاصة فيما يتعلق بحياتهم الأسرية، وهذه ميزةٌ مُنحت لهم في ظلّ أوضاعٍ خاصَّة ، وتبقى سلطة الدولة وإرادتها هي العليا في جميع الأحوال.

 

 

الاثار المترتبة على السيادة :

ابرام الاتفاقيات مع الدول والمنظمات المختلفه
التبادل الدبلوماسي والقنصلي بين الدول
المساواة  في الحقوق والواجبات بين الدول .

العولمة :

العولمة من المفاهيم التي لم يتوافق عليها العلماء والباحثين ولم يتم منحها تعريف مشترك ، فقد شكلت العولمة احدى المفاهيم التي تعرضت للكثير من  الابحاث  والدراسات ، لما لهذا المفهوم من جوانب مختلفة على الصعيد السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي، بالإضافة الى أن هذا المصطلح جديد على الساحة الدولية فقد ظهر مع العقد الأخير من القرن الماضي .

العولمة واحده من ثلاث كلمات عربية جرى طرحها ترجمة للكلمة الانجليزية  Globalization والكلمتان الاخريان هما (الكوكبه) و ( الكونية ) . والعولمة في اللسان العربي مشتقة من العالم .

ولعل مباديء رئيس الولايات المتحدة وودرو ويلسون للكونغرس الأمريكي في تاريخ 8 يناير 1918، التي ركز فيها على 14 مبدأ للسلم ولإعادة بناء أوروبا من جديد بعد الحرب العالمية الأولى ، شيء من العولمة ، خاصة البنود :

البند الثالث  : إلغاء الحواجز الاقتصادية بقدر الإمكان وإيجاد مساواة بين الدول المتعاونة في المحافظة على السلام.

لذا فليس بالامكان اختزال العولمة في مفهوم سياسي او اقتصادي او ثقافي او اجتماعي  او اعلامي او تكنولوجي  ، فقد  غدت تطال كل المفاهيم تقريبا ، ولها علاقة بجل الجوانب والمجالات .

مرتكزات العولمة

الاقصاد

التقانة

الثقافة

القوة العسكرية والسياسية

 

العولمة والسيادة :

يتناول هذا الباب انعكاس العولمة على سيادة الدولة ، خاصه ان العولمه تقوم على تحدي الحدود للدول والكيانات ، والوصول لكل العالم ، في السابق كانت الدول تخوض الحروب نتيجه التعدي على حدود الدول او التدخل في سيادة الدوله ، لكن في النظام العالمي الجديد وبروز العولمة بات من الواضح تجاوز العولمه لسيادة الدول ولو باشكال واحجام مختلفه.

لقد ارتكزت اسس السياسة الدوليه سابقا على ان الدولة تمثل وحدة سياسية ، والتعامل مع الدول ككيانات ووحدات مستقله منعزلة عن بعضها البعض ، ولقد تبدل مفهوم السيادة بسبب ثورة التكنولوجيا والاتصالات  والاقتصاد العالمي ، فالسياده هي صلاحية الدولة بممارسة سلطتها على الثروة الوطنيه ،  ومواطنيها وطرق التعامل معهم ، والان في زمن العولمة والتكنولوجيا باتت الثروة الوطنيه جزء من الاقتصاد الدولي ، وحقوق المواطنين جزء بل ومن صلاحيات واهتمامات المجتمع الدولي وبالامكان التدخل في الدولة وسيادتها تحت تلك الحجج.

يطرح برتران بادي ثلاث انماط تتراجع فيها سيادة الدولة في ظل العولمة ، وهي الوظيفة الدبلوماسية ، والوظائف الاقتصاديه-الاجتماعيه للدولة ، ووظائف تجديد المؤسسات وابتكارها .

لابدهنا من التفريق بين السيادة كمفهوم قانوني مرتبط بالدولة ، وتتكفل الاعراف الدوليه بحمايته والالتزام به ، وبين قدرة الدولة فعليا على الحفاظ على هذه السيادة في ظل العولمة  ، فهناك تسارع وتوسع في الاتفاقيات الدولية التي تلزم الدول بامور قد لا تتساوق مع مفهوم السيادة .

ادوات العولمه والتي تمس بسيادة الدوله :

أ – التكنولوجيا:

احد  اهم ادوات العولمة  واكثرها انتشارا واستخداما  ، كذلك الاكثر تنوعا ، فالاتصالات ومواقع الانترنت والتواصل الاجتماعي وكذلك الادوات ، كلها ساعدت في سرعه انتشار العولمه ، وتوسع نطاقها .

ب- مكافحة الارهاب:

بات الارهاب حصان طرواده الذي تستخدمه بعض الدول للتدخل بشؤون الدول الاخرى ، وضرب سيادتها ، خاصة انه للان لايوجد تعريف واضح ومتفق عليه  للارهاب ، وقد كثرت مؤخرا  صور التدخل بسيادة الدول تحت ذريعه الارهاب .

ج- احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية  ، فهناك اتجاه متنامي في وضع الاتفاقيات والضمانات التي تحفظ هذه الحقوق في العالم ، حتى باتت جانب مهم من جوانب تدخل المنظمات والدول في سياسات وسيادة دول العالم ، ولعل موضوع حقوق الانسان والحريات من بين المواضيع الحساسه والتي تلاقي صدى في ارجاء العالم وتستطيع ان تكسب تضامن دولي مع قضاياها ،وهنا لابد من الاشاره الى دور الدولة او النظام في هذا الجانب ، اذ ان الانظمه التي لاتحترم حقوق مواطنيها ولا تحقق الحريات الاساسية لهم ، تعط المجال للمؤسسات الدولية وباقي الدول ان تتدخل بشؤنها وتفرض عليها الشروط والعقوبات .

هـ – الشركات عابره القارات : والتي تشكل اليوم قوة اقتصادية عظمى، فإنتاجها يزيد بمعدل يبلغ نحو ضعف معدل نمو الاقتصاد الداخلي للدولة الصناعية المتقدمة، ومن المتوقع أن يكون لنحو 500 أو 600 شركة من هذه الشركات في منتصف هذا القرن ملكية ما لا يقل عن ثلثي مجموع الأصول الثابتة في العالم بأسره، وأن تقوم بإنتاج أكثر من نصف الإنتاج العالمي ، و الشركات عابرة القارات تمارس سيطرة مركزية كاملة من البلد الأصلي على فروعها المنتشرة في أنحاء العالم، وجميع الفروع تعمل تحت نظام دقيق، وفي إطار إستراتيجية عالمية وسيطرة عالمية مشتركة، ذلك لأن المركز الرئيس للشركة عابرة القارات هو بمثابة الدماغ، والجهاز العصبي المركزي لهذه الإستراتيجيات.


و- صندوق النقد الدولي والبنك الدولي:

وهما منظمتان أمميتان. صندوق النقد الدولي هو وكالة متخصصة من منظومة بريتون وودز تابعة للأمم المتحدة، أنشئ بموجب معاهدة دولية في عام 1944 للعمل على تعزيز سلامة الاقتصاد العالمي. ويقع مقر الصندوق في واشنطن العاصمة، ويديره أعضاؤه الذين يشملون جميع بلدان العالم تقريباً  و يقوم على ضبط النقد الدولي واستقراره .

البنك الدولي هو أحد الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة التي تعنى بالتنمية. وقد بدأ نشاطه بالمساعدة في إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وهي الفكرة التي تبلورت خلال الحرب العالمية الثانية فيبريتون وودزبولاية نيو هامبشير الأمريكية، و يمارس عمليات الإقراض ودراسات الجدوى في مجال الإنشاء والتعمير للدول المتضررة من الحروب والدول الفقيرة ضمن شروط قاسية.

و رغم أنّ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي مؤسستان  تابعتان للأمم المتحدة، دورهم دعم الاقتصاد العالمي، والمعاملات التجارية بين البلاد المختلفة، فإنّه عادة ما يتم اتهامهم بكونهما أحد أدوات الشركات العالمية لبناء إمبراطورية تسيطر على اقتصاد العالم، وتهزم الدول، “ونهب وتدمير اقتصاد الدول النامية ،  أن المؤسستان يتبنىانسياسات رأسمالية تساعد على السوق الحر، فهمايرفضان أية قيود من الدول المقترضة على النقد الأجنبي، وضد الرقابة على الصرف، وضد أي تدخل من الحكومات على السياسات النقدية، يعتبر بعض المُراقبين أن البنك الدولي وصندوق النقد هما أبرز أدوات  النظام  العامي الجديد حيث يقومان بإقراض الدول الفقيرة بقصد التنمية بينما تقوم هاتان المؤسّستان بتطبيق الشروط الخاصّة بها والتي عادةً ما تكون ضدّ مصلحة الدول الفقيرة. فهاتان المؤسّستان تقومان بإقراض الدول الصغيرة بما يُساعد حكومات الدول الكبرى على التدخّل اقتصادياً في هذه الدولة، عبر استثمارات وجماعات ضغط تجعل من هذه الدول تابعة لها.
الدكتور زكي العايدي، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس والمستشار السياسي السابق لرئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، وفي كتابه (( التاريخ السري لبنك الدولي  )) حاول تقديم العديد من الحقائق المجهولة حول تاريخ البنك الدولي، الذي تحول من مؤسسة صغيرة إلى قوة مالية عالمية مؤثرة، تلك القوة التي تطورت على نحو مذهل وجعلت البنك يتحكم في خيارات شعوب البلدان النامية في مجال تنميتها الاقتصادية، وطريقها المستقل للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بل إن هذه القوة، كما يصفها مؤلف الكتاب، جعلت البنك “يضغط على سيادة الدول”، ويصل إلى الحد الذي يضع فيه اقتصاداتها “تحت الوصاية” ويفرض “رقابة على المصروفات العامة”، بل على “حق الجلوس في مجلس الوزراء”، على حد تعبيره.

ويؤكد العايدي على أن تغول البنك الدولي بهذه الصورة جاء عبر تاريخ سيء السمعة من العمل على تدمير الدول الوطنية القوية خلال فترة الخمسينيات والستينيات، والقضاء على أية خطط طموحة للنهوض بالاقتصادات الوطنية وتحقيق الاستقلال الاقتصادي، ومثال على ذلك ما حدث مع مصر على سبيل المثال، ويشير الكاتب كذلك إلى الدور الهام الذي قام به البنك في دعم الشركات العابرة للقارات والقوميات، التي ساعدت البنك في التخلص من القطاع العام في بلدان العالم الثالث.

ز- منظمة التجارة العالمية:

هي منظمة عالمية مقرها مدينة جنيف في سويسرا، مهمتها الأساسية هي ضمان انسياب التجارة بأكبر قدر من السلاسة واليسر والحرية. وهي المنظمة العالمية الوحيدة المختصة بالقوانين الدولية المعنية بالتجارة ما بين الدول.

تاسست المنظمه عام 1996 ليتم بدء مرحلة جديده للاقتصاد العالمي ، ان اتفاقية انشاء منظمة التجارة الدوليه تنطوي على تحويل قدر من صلاحيات اتخاذ بعض القرارات الوطنية الى منظمة التجاره ،حيث اوجبت على الدول ضرورة التواصل معها قبل اتخاذ القرارات المتعلقة بالتجاره ، بالاضافة الى التحكم بتحديد انواع الدعم المسموح به والدعم غير المسموح به .

إن منظمة التجارة العالمية هي تجسيد للعولمة على المستوى المؤسساتي وقد تعدت منظمة التجارة العالمية على سيادة الدول من خلال قوانينها في السلع والخدمات وحقوق الملكية الفكرية، ومن خلال هيئة فض المنازعات والتحكيم؛ حيث تحوَّل مفهوم التجارة لدى المنظمة من مفهـوم تقليدي إلى مفهوم يشمل البيئة والعمل وحقوق الإنسان والعمال.

ان شروط نظام العضوية في منظمة التجارة العالمية تؤثر على السيادة الوطنية لان هذه الشروط لاتنتهك السياسة الاقتصاديه وسياسة الحماية فقط ، ولكنها تؤثر سلبا في السياسة الامنية ، فالقبول بشرط تعديل القوانين الداخليه لكي تتماشى واهداف ومباديء منظمة التجاره يعني قيام الدولة بالغاء قوانين تهدف الى حماية الامن الوطني .

ح- نشر الديمقراطية:

تأخذ بعض الدول شعار نشر الديمقراطية في دول العالم وخاصة دول العالم الثالث ، ليكون هذا سببا لانتهاك سيادة تلك الدول ، والتاثير بقراراتها وادارتها لشؤونها الخاصة ، ولعل هذا الموضوع تتشارك فيه ايضا الانظمه في العالم الثالث خاصة تلك التي لاتسمح للديمقراطية بالنمو والتحرك او حتى تمنع وجود الديمقراطيه في دولها وبالتالي تعطي الذريعه للمنظمات والمؤسسات العالمية وبعض الدول للتدخل في شؤون هذه الدول والانظمه .

تأثير انتهاك السيادة للدول :

اولا / سياسيا

1- تزايد في دور المؤسسات والمنظمات الدوليه
2- تزايد الدور للهيئات الداخليه او الكيانات المحليه
3- اذابة دور الدولة القومية وتحويلها لشرطي لتأمين مصالح الرأسماليه العالمية

ثانيا/ اقتصاديا

1- عدم قدرة الدولة على السيطرة على مواردها وتوجيه الانشطه الاقتصادية.
2- سطوة و تاثير الشركات العابره للقارات على اقتصاد الدولة
3- الاندفاع نحو النزعه الاستهلاكية
4- زيادة الاعتماد على التكنولوجيا وبالتالي تراجع الحاجه للعماله البشريه وزيادة في العاطلين عن العمل.

ثالثا/اجتماعيا

1- تأثر الولاء القومي لمفاهيم اخرى كالعالميه وفوق القوميه
2- تراجع في العدالة الاجتماعيه خاصه بعد ان تفقد الدولة –او تضعف سيطرتها – على قطاع الخدمات في الدولة .
3- تاثيرات على التوزيع الطبقي للمجتمع.
4- ضعف درجة الالتزام بالانماط الاجتماعيه للدولة ومايصاحبها من صراع اجتماعي.

 

الدول العربية والعولمة :

الدول العربية من بين اكثر الدول المتأثره بالعولمة ، خاصة ان الدول العربية اصبحت في موقع المتلقي والمستهلك ، وليس في موقع صانع القرار او حتى المؤثر فيه ، كذلك لاتملك الدول العربية القوة السياسية او الاقتصادية التي تستطيع بها ان تواجه العولمة او حتى ان تحسن التعامل معها بالطريقة التي تتناسب مع ثقافة  الدول العربية .

الدول الضعيفه ومن بينها الدول العربية  هي من تتعرض لسلبيات العولمة ، وهي المستهدفه من ادوات العولمة سواء الاقتصادية او السياسية او حتى الثقافيه  ، فالدول القوية قادرة فعليا على تحويل العولمة لصالحا ، خاصة ان هذه الدول اصلا تملك اقتصادات قوية وكذلك قوة سياسية وعسكرية وبالتالي قادرة على التلاؤم مع العولمة ، ان لم يكن صنع العولمة ايضا وخلق ادواتها .

خيارات الدولة في ظل العولمة :

هناك  ثلاث خيارات  للدول في ظل العولمة :

الخيار الاول : وهو الخيار القائل ان السيادة ستنتهي في ظل العولمة ولن يكون لها الاثر ، وستكون مهمه الدولة خدمة مصالح الشركات عابرة القارات وقوى العولمة .

الخيار الثاني  : تمسك الدولة  بالسيادة لكن بفاعليه اقل مما كانت عليه سابقا لتتلائم مع التغيرات العالمية.

الخيار الثالث : رفض العولمة بالمطلق والتمسك بسيادة الدولة ، وغالبا هذا الخيار صعب التطبيق عمليا.

التوصيات :

1- بداية لابد من توضيح ان العولمة لايمكن ايجاد حل ناجح للتعامل معها من خلال دولة واحده فقط ، بل تحتاج الى تكتلات وتجمعات ، لذا لابد من احسان انتقاء التكتلات والاحلاف.
2- تسخير العولمة  لمافيه مصلحة الدوله والمجتمع ، والاستفادة من الاثار الايجابية للعولمة
3- العمل على التثقيف و نشر الوعي  حول العولمة وتبعاتها .
4- تعزيز الانتماء للدولة  واحترام سيادتها  من خلال بناء المواطنه السليمه الواعيه.
5- مطلوب من الدول العربية تعزيز اقتصادها .
6- تشجيع البحث العلمي  واعادة الاعتبار للعلماء والمفكرين

الخاتمة :

لايمكن انكار ايجابيات العولمة وبنفس الوقت لايمكن اغفال سلبياتها ومخاطرها ، لكن لايمكن الحديث بانتهاء كلي لدور ومكانة الدول ، بل لابد من بقاء الدولة سواء بشكلها القانوني او العملي، فالدول هي الضامن لاي اتفاقيات او اجراءات ، بالاضافه الى كون الدولة هي المسؤوله على الحفاظ على ثروات وقدرات الدولة للاجيال القادمة وضمان بقائها والاستفادة منها .

تم  بحمد  الله

فلسطين

2019

المراجع :

اولا – الكتب :

1- البزاز،حسن،عولمة السيادة، المؤسسة الجامعيه للدراسات والنشر ،لبنان،2002
2- امين الدين،علوان،العولمة والسيادة في العلاقات الدولية والاقليمية،دار ابعاد،لبنان،2015
3- مركز الامارات للدراسات،العولمة واثرها في المجتمع والدولة،مركز الامارات للدراسات ،الامارات ،2002
4- الهلباوي،خميس،العولمة،منشأة المعارف،مصر،2008
5- يونس،بدري،مزالق العولمة الحديثة في النظام العالمي الجديد،
6- د.م، بين الاقلمة والعولمة اراء واجتهادات وحوارات في عالم مضطرب.
7- رشوان،عبدالمنصف،العولمة واثارها رؤية تحليلية اضافيه،المكتب الجامعي الحديث،2006
8- ابوراشد،عبدالله،العولمة في النظام العالمي والشرق اوسطيه،دارالحوار،1999
9- مقلد ، اسماعيل ، العلاقات السياسية دراسة في الاصول والنظريات ، المكتبة الاكاديمية ، 1991

ثانيا :المواقع الالكترونية:

1- الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية

 https://www.politics-dz.com/community/threads/alastqlal-alsiasi-ualaqtsadi-u-alnzam-alyalmi-algdid.2854/

2- موقع الامم المتحدة www.un.org  

ثالثا : الابحاث والمقالات :

1- على منذر حميدوش،سيادة الدولة في ظل العولمة ،المركز الوطني للمتميزين ،الجزائر،2016
2- نظير،مروة، العولمة وتغير مكانة الدولة كفاعل في النظام العالمي، 2012

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.