اشراقات أدبية

و في عينيها مرفأ وطن

في كل عمري رأيتُني كالفراش أنجذب للنار، والنار في وطني تشتعل بدماء الشهداء!
ففي كل قطرة دم ودمعة أُم تُروى حكايا، وإني في حضرتهم تذوب في جوفي الكلمات، ويتسارع نبضي، وتتعلق أحداقي بالخبايا المُخبئة بتقاسيم وجوههم ونظرات عيونهم، وأُحاول جاهدة أن أفهم سرّ ضحكتهم وأن أصل إلى ذروة إيمانهم..
فشتان بين من كان إيمانه بذرة ترعرت جذورها في أوصاله وبين من استرق جذعاً فغرسه في نفسه فكسر وخُذِل في أوّل هبة هواء..
ففي لحظةٍ ما نشعر بتفاهة ما مررنا به ونشعر بالزهد في كل شيء، سنشعُر بكُبر الكون وصُغرنا، سنشعر بأن أيدينا كانت مُكبلة أمام الذين نُقابلهم، سنشعر أن كثيراً من المنارات خامدة بنا وكثير من الأطلال علينا ردمها وإنهاء وقوفنا عليها، سنشعر كم كُنا ضِعافاً أمام هزائمنا، سنرى بأيدينا الغضة نعماء الحياة، أما بتجاعيد أيديهم فسنرى معمعة الحياة حاضرة..

سنحزن على أنفسنا ونخاف لوهلة! سنُسابق العمر لنمر بمحطة واحدة أو حتى بجزء من محطات عمرهم، سنعرف أن دموعنا في كثير من الأحيان خذلتنا فكانت لدُنيا، وهم دمعاتهم صدقتهم فكانت من أجل رب الدنيا..

سنعرف أن حق الشوق هو شوقهم وشوقنا صغير أمام عظمته في صدورهم، سنعرف معنى الخشوع بانسدال أجفانهم والوقار بطبيعة هيأتهم، سنعرف أن ركضنا في الحياة لم يكن إلا شوطاً واحداً أمام أشواطهم ومع ذلك كان لُهاثنا يملأ الأرجاء وهم لم ينبسوا ببنت شفة.. ستحلق روحنا إلى عوالم لا حصر لها، ستسكننا السماء وسنلفظ الأرض من قلوبنا، سنُمسك نواصي الآلام ونضمد الجراح بترياقٍ من إباء.. ستنقشع سواتر الحياة وسنفهم الكثير من الذي لا يمكن لحرف أن يُترجمه..

هو يُشعر فقط ويُعاش وحسب! أولئلك الأشخاص هم الذين تُختزل بهم حياةٌ وعمر، بهم شمس تُذيب بقايا جليد الروح، كل ذلك سيُعصف بك حين ترى أو تُشاهد أو تُجالس ” أم عاصف” أم الشهيد البطل صالح البرغوثي وأم الفارس عاصم البرغوثي..
حين ترى طلعتها سيثور فيك الوطن، سينحني قلبك خشوعاً لطلتها، ستخجل من لحظات طيشك وتذمرك يوماً من البلايا الصغيرة، سترتشف من أنهار وقارها، وستستعيد وعيك من بعد إغماءٍ طويل، ستُراجع مبادئك في ذاكرتك الدفينة، ستُضيء مناراتك الخامدة وستُعبّىء روحك من معانٍ أبية!

ستشعر بما يُشعرك بعدم الندم على أيامك المُهدرة، ستكون مسافراً في ربوع الوطن خلال من تُلاقي من حُماته وأشاوسه، تماماً كما وجهها!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق