ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تحليل قصة ‘ سأتعشى الليلة ‘

سأتعشى الليلة…!

جولة تحليلية في محطات إنسانية بين الحركة والسكون

سميرة عزام:

(الأديبة والقاصة والإعلامية الفلسطينية 1927 1967)

ولدت سميرة عزام في أيلول سنة 1927 في مدينة عكا بفلسطين، ولُقبت برائدة القصة القصيرة، تلقت الدراسة في المرحلة الابتدائية في عكا، ثم أكملت دراستها في مدرسة الراهبات في غزة، لتصبح بعدها معلمةً في مدرسة الروم من عام 1943 حتى 1945.

درست اللغة الإنجليزية، وتابعت دراستها بالمراسلة الورقية أثناء عملها، ثم أصبحت مديرة للمدرسة التي تعمل فيها.

كابدت الأديبة سميرة عزام ألم الشتات والترحيل، حيث هاجرت مع عائلتها إلى لبنان بعد النكبة عام 1948 م لفترة قصيرة، ثم سافرت إلى العراق، لتعمل مدرسةً في مدرسة للإناث بمدينة “الحلة” لمدة عامين، لتعود بعدها إلى لبنان لتباشر الكتابة لصالح بعض المجلات، وقد شغلت الأديبة سميرة عزام مناصب أدبيةٍ عدةٍ من أبرزها: منصب مراقبة للبرامج الأدبية التابعة لإذاعتي بغداد والكويت، وذلك حينما عدت إلى بغداد مع زوجها الأديب يوسف الحسن، الذي ارتبطت به في بيروت، وكذلك عملت محررةً في جريدة “الشعب” إلى جانب الشاعر والكاتب بدر شاكر السياب، بعد ذلك عملت في مجال الترجمة والنشر، بعد أن أبعدت و زوجها إلى لبنان لتقوم بترجمة طائفة من الأعمال الأدبية والفنيّة والعلميّةالإنكليزية، وقد أظهرت لنا تكوينًا أدبيًا وروحيًا عميقًا، حينما بدأت بنشر خواطرها في صحيفة «فلسطين» الصادرة في يافا تحت اسم «فتاة الساحل»، فلُغتها متماسكة وجميلة، والقيم الإنسانية فيها منسجمة مع التعلّق بالأرض، ولا يخفى فيها آثار كتابات جبران ومي زيادة.

كما كانت لها نشاطات إنسانية وتطوعيّة عدة فعندما حلّت مؤامرة الانتداب البريطاني والصهيونيّ بأرض فلسطين سنة 1948 فساهمت مع الأهالي في تقديم ملابس للمتطوعين الذين هبّوا لنجدة فلسطين وكتبت معها بيتًا شعرياً يقول:

سيروا على وضح النهار   فالحقّ من نور ونار

من مؤلفاتها:

أشياء صغيرة، دار العلم للملايين، بيروت، 1954.
الظل الكبير، دار الشرق الجديد، بيروت 1956.
قصص أخرى، دار الطليعة، بيروت 1956.
الساعة والإنسان، المؤسسة الأهلية للطباعة، بيروت 1963.
العيد من النافذة الغربية، دار العودة، بيروت 1971.
فصل من رواية “سيناء بلا حدود، مجلة الآداب، آذار 1964.
قصة “الحاج محمد باع حجته”، مجلة الآداب، حزيران 1966.

توفيت سميرة عزام في الثامن من آب، عام 1967 إثر نوبة قلبية.

سأتعشى الليلة ...!

قالها، وهو يصبُّ على الجمرات من إبريق الماء ليطفئها…

جمرات الحرمان والعجز، آنَ أوانُ إخماد اشتعالها في قلب البطل، جمرات العجز والسلبية، جمرات الركود عن مواجهة الحياة.

بدأت الكاتبة كعادتها في أغلب قصصها بهذه العبارات.. بالانتقال إلىالنتيجة النهائية، وحل العقدة من واقع الحال السابقة.

بداية مؤثرة لإطفاء الجمرات المشتعلة.

إنه جائع، ويستحق أن يتعشى، ولكنه طالما تعشى قبل ذلك، فما الذي حدث ليصرخ مطالباً بحقه في العشاء هذه المرة؟ ماذا يختلف عشاء الليلة عن المرات السابقة؟

تبدأ قصة بطلنا بالإنسان العائد من السلبية إلى الإنتاج، فقد كان كل صباح وبمساعدة أخته؛ التي تحمل كرسيّه الصغير وتضعه على الرصيف القريب من البيت، وهو يحمل عكازيه ويجلس مراقباً المارة، الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار، رجالاً ونساء، يرى بطلنا كل شيء يتحرك إلا هو، إلا هو العاجز عجز السكون على الحرف، عجز الرجولة أمام الرجال، عجز مواجهة الحياة، الكثيرون يتحركون من مكان لآخر صباحاً ومساء، إلا هو يظلّ ملازماً للرصيف الميت!

أظهرت سميرة عزّام النماذج الإنسانية في قصصها، فهي تقدم الخير العائد، أو الإنسان العائد، والإنسان المتحرك بعد السكون، فقد تحول البطل هنا من النموذج السلبيّ النمطيّ، من الحركة غير الفاعلة وغير المنتجة والمهملة اجتماعياً، إلى الحركة المنتجة الموجودة بقوة وصلابة بين فئات المجتمع، فقد وقف على عكازيه وترك الكرسي الصغير ليعمل بصلابة وينتج.

البطل الذي راقب المارّة وتابعهم سنوات طويلة، دون أن يكترث لوجوده أحد، ولكنه اليوم محط أنظار المارة، بل وإعجابهم أيضاً.

بطلنا كان يحس بالحياة وضجيجها، كأي إنسان فيه من المشاعر الدفينة،يراها تتحرك أمامه، وتركض أمام عينيه، تخمد أحياناً عند اشتداد حرارة الشمس على رأسه، فيتجه صوب (جمعة)، فيجلس في ظل عربة الشواء، وكعادته في مراقبة المارة، يراقب بطلنا (جمعة) وما يقوم به من تقطيع للحم وشوائه.

الكل يأكل من عربة (جمعة)، يدفعون ثم ينطلقون، بينما بطلنا يراقب،الحركة المستمرة لدى (جمعة) حتى ينفذ ما لديه من لحم، ويتأهب للعودة عند آذان المساء، وهنا تحين عودة بطلنا لبيته، مع عودة أمه من بيوت الجيران، يعود والجوع يتعب بطنه كما تتعبه العكازات والكرسي الصغير، يعود بطلنا ليتعشى مما أحضرته له أمه من عملها في بيوت الجيران، من لقيمات يتطفل عليها ويسد جوعه.

لقد تمنى بطلنا مرة أن يعمل، فقد طلب مراراً من أمه أن تصنع له الحلوى لبيعها لصغار الحي، فجاء السكون على شكل شفقة الأمة، هل تقوى على الشغل؟

وهل تقوى على اللحاق بصبي لو مد يده واختطف شيئاً؟

فيعود بطلنا للتمترس حول عجزه وسكونه، ويتثاءب أيامه كما وصفته الكاتبة، يعود للجلوس على الرّصيف، هذا الجلوس الذي يشبه التصوف والرهبنة كنوع من الانعزال، بطلنا ليس متسولاً، وأيضاً ليس عالة على الرصيف، فهو واسع ليتسع له ولعربة (جمعة) والمشترين.

تحدثت الكاتبة بلسان البطل كثيراً عن قسوة الحياة، ولكنها نجحت في نقله لدائرة الإنتاج والحركة وخلصته من السكون والسلبية، فبطلنا كان في البداية مراقباً يجلس على الرصيف، فهل كانت تلك المراقبة سلبية عادية،أم أنّها حركت في بطلنا مشاعر الحركة والرغبة المنتجة.

راقب بطلنا كل أنواع الناس، حتى الأطفال وشقاوتهم، رأى فيهم ومن وصف ملابسهم طبيعة حياتهم وعملهم، بطلنا ذكي لا شك، ولكن أقعدته الحياة والمجتمع والأسرة مؤقتاً، فهل ينهض كما أرادت له الكاتبة؟

جاء نهوض البطل في يوم لم تلذع الحرارة فيه بطلنا كعادتها، وترك تعلق بصره في أذيال المارة اليوم، اليوم فقط ولأول مرة لدينا بطل جديد، فكيف كانت صناعة هذه البطل؟

(جمعة) صاحب العربة يأتيه خبر ما من أحد الأقارب، ينقله لحالة من العصبية والفاجعة.

ما مصير اللحم المكوم على العربة؟

السؤال الأهم، والمحرك لكل شيء في القصة؟

ما مصير اللحم المكوم على العربة، لقد حرك سؤاله عن مصير اللحم المكوم على الرصيف سؤالاً مركزياً، سؤال يحتاج لإجابة فوريّة، فكُل سؤال يحتاج إجابة في نهاية الأمر!

والجواب يأتي على شكل مساعدة تأتي من بطلنا بنظرة ملؤها الأمل كأنها تقول نعم أستطيع!

أواثق أنت من أنك تستطيع؟

فقام يقفز على عكازيه، وهو يؤكد القسم؟

يؤكد أن العكازين لا تمنعانه من أن يكون قادراً على شواء وبيع اللحم للمارة والذين يعرفهم جيداً.

ويدل ذلك على أن مراقبة بطلنا السابقة لم تكن مقتصرة على المارة، بل أفعال المارة، وحركتهم، تلك الأفعال السوية بعيداً عن التسلية، بل كان يراقب (جمعة)، وباهتمام المتعلم المقلد الراغب بفعل الشيء نفسه.

نجح بطلنا كما أرادت الكاتبة، عندما أجاب عن السؤال، ونقلته تلك الإجابة السريعة من دائرة السلبية والخمول والتثاؤب إلى الإنتاج والعمل، لم يتعرض بطلنا للسرقة كما حذّرت أمه، ولم يهزأ به الأطفال، أتقن عمله، وتعاون مع المارة، وهم الذين عرفوه بصاحب الكرسي والعكازتين.

نرى هنا إيجابية المجتمع نحو العجز والإعاقة، إيجابية الخير في الواقع، وما على الإنسان إلا أن يصنع مكانته ويؤسس له حضوراً ما، ويوقظ إمكانياته ويستثمر الفرصة في أي وقت تأتي كما فعل بطلنا، وأن يستثمر الجواب على السؤال، هل تقدر؟

الاستفادة من لحظة الإرادة، وبعثها من تحت ركام العجز.

هل إرادة بطلنا صاحبة شرف لحظة الكشف عنها أم الحدث؟

أم هو كابوس العجز أم كابوس الجوع وغياب الحركة؟

لا يهم من صاحب الفضلِ في ذلك، ولكنها برأي الباحث إرادة البطل أولاً، فكم من حدث يمر أمام الإنسان ويندثر مع غياب الإرادة.

قد آن لبطلنا أن يصرخ صرخة الانتقال، صرخة الإيجابية والعمل، وأنيبرهن لأمه أنه قادر، وأنه سيتعشى الليلة!

لم يطلب بطلنا في الأيام الماضية العشاء، وبالتالي لم يحدد نوع العشاء الذي يرغب به، فعجزه الماضي جعله موافقاً لما تعطيه إياه أمه من لقيمات، ولكنه الليلة سيتعشى من تعبه وجهده، سيتعشى كأي رجل يعمل وينتج ويتعب، وليس فقط أنه سيتعشى بل بدأ بطلنا يفكر بما بعد العشاء، أي مهنة سأحترفها وسأعمل بها؟

انتقال آخر في شخصية البطل، انتقال أكبر وأعمق في الشخصية وبنائها الاجتماعي، طموح الاحتراف والإبداع، فهو قادر الآن على العمل،سأتعشى الليلة!

لم تكن مجرد صرخة الانتقال، وإيقاظ روح العمل بعيداً عن السلبية، بل أيقظت الكاتبة معها نهج العمل المنظم في المهنة والحرفة لكل إنسان حسب مقدرته وظروفه.

لقد اشتغل!

الجواب الذي اعتبره حكماً اجتماعياً وعائلياً على كل رجل بالصلاحية من عدمها في الحياة، الشغل والإنتاج والعطاء.

سميرة عزام..

انتصار الشخصية، وتمجيد الإنسانية، وغياب العوائق، ووحدة الانطباع عند الكاتبة، هكذا قال عنها ناقدوها في أغلب قصصها، ولكن برأيالباحث تلك الملاحظات قد أرادتها الكاتبة بشكل مقصود لبعث الهمة في كل سلبي غير متحرك أن الأمل موجود، والفرصة متاحة لمن أراد.

ثقة الإنسان بنفسه بإمكانياته، الإنسان العائد إلى الصواب بغض النظر عن الظروف المحيطة، فلم تشر إلى سلوكيات سلبية في حياة البطل رغم إعاقته، فقد عرضت نموذجاً إنسانياً قد يكون خارقاً فالبطل رغم إعاقته تحرك حركة نموذجية فاعلة للتخلص من السلبية والسكون.

عمل جيد يترافق مع الطموح والفخر؛ لتحقيق المزيد من إنسانية الإنسان.

فالعجز ليس مطلقاً نهائياً، والمجتمع ليس سلبياً، وتبقى فقط لدينا لحظة الانطلاق والعمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.