ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الزنزانة الهالكة

رسائل من الزنزانةِ الهالكة ذاتها

أقبع حيث العتم مُذ ستون يومٍ يتيمٍ من الحُريّة، في زنزانةٍ لا يتجاوز طولها و عرضها المترانِ و نِصف، أتآوه بِصمتٍ تهابهُ الجُدران الضريرَّة، لا يوجد سِوى حجرِ فحمٍ أرسُم فيه جدارياتِي العُنصريّة بِالوطن، أنتشِل روحِي على راحةِ تكوينِي و أناجِي الله. تنتهك اجزائي المأسورة بِـ ” البصقِ ” على رسوماتٍ أخربشها حيث السواد ،أُناظر القفصِ كَعصفورٍ ضليل الحُرية ،ثم بهيبة الجثام اخط رسالتِي لِـ امِي: – آهٍ يا دربِي الطاغي على أنامِل مشاعرِي الفياضَة، كيف حالك يا أماه؟ كيف أُخوتِي و أخواتِي؟ أمازال عددهم ثمانية؟ أينقص الاكسجين كلما افتقد المكان ضحكة ابتهالاتي؟ ثم كيف الأيام معكِ؟ يا جنتِي العدنيّة.. أفتقِد أيامِي بِأحضانِ ربيعِك، أتوق لِسماعِ حسيس صوتِك المُتجمِل، لِفردوسيّة عينيَّك و مخمليَّة جفنيّها، لِإسمِي من فاهِك السُكرِي، ثم أقسم بالرب وأُغلظ القسمِ أني أحِن لِسرمدية طفولتِي بين يديَّك الحريريَّة، -أوه- هل السِجنِ بِهذا الوقتِ سوداويٌ؟ بغيضٌ؟ متنكرٌ بثياب الحُرية، لكن في كل مرةٍ تجتاحينّ مُخيلتي؛ أبتسمُ للقيّد وأدرك والعالم يدرك بأني رُغم قيديّ حُرٌ. آهاتِ أسرى هُنا وهُناك و صراخٍ بِزنزانةٍ تعذِبُ أنفاسِي.. لكن، لا عليكِ يا أمِي! كُل ذلكِ فداءٌ لِبلادِي، كما علمتِني منذ صغري، أيرضى قلبَكِ عني؟ ويشعُر بي كُلما زاد البَرد، يشتاقني كسابق العهد؟ أنا أفتقدُ نفسي بين ذراعيّكِ، أتعلمين يا أُماه؟ أشتهِي تقبيلك، وملامسة أصابع يديكِ، أن أعُدَ على أصابعكِ – هون نقطة ميّة اجا العصفور نقّها .. – من ثُم تُداعبين جسدي كيّ أضحَك وأتقهقه ! لا عليَّك؛ أنا بخير، كونِي على ما يُرام يا أُمِي و.. -سأكون بخير دام أنتِ بخير- إنتهيتُ من رسالتِي و بعض تغبش الدموع، ثُّم كتبتُ بعض الكلماتِ الحائِرة لِجنةُ قلبِي.. طفلتِي الصغيرة و حبيبة تكوماتي : – مولاتي المتمكنة من جميعي.. كيف حال قلبِك يا صغيرتِي؟ كيف أيامِك؟ أتفتقدينَّ صوتِي؟ آهٍ يا ترياقِي، بلسمي و انجازي.. أتَتوقين لِرُؤيةِ مُقلتيَّ؟ لِإبتسامةُ ثغرِي؟ وسماعِ حَسيس صوتِي الخافِت؟ قولي آه بصوت أعلى! وأكثر.. دعيه يحطم ما يكبل الصمت ليحل مستقره و مأنه على صدري الحامل كلك. والله أتوق لِموسيقى حُنجرتِك الشامِخة، ثم ماذا؟ أكتُب إسم الوطنِ على جدارياتِي كَكلِ مرةٍ أُعتقل فيها، ثُّم أرسُم عينيَّك باكيةٍ على غيابِي.. لا بأس، أنا بخيرٍ طالما الله معِي في كلِ نفس يُتلى علي، أستودعتك الله في كلِ وقتٍ.. – ديري بالك على الوالدة – ثُّم إنتبهي على قلبِي، و..أحبِك. قد قبلتُ رسائلِي المُميتة ثُّم بعثتُها مع السجانِ لِيُرسلها بِالبريد المُستعجل.. لعل و عسى تَصل لِأحباب روحِي قريبًا تنهمِر دموعِ عينيّ بِذعرٍ ّرغمًا عنِ صمودي، تتساقط واحِدة تلو الآخرى.. أحترِق بِشوق العاشِق لرؤيةِ أُمِي و حبيبتِي، فَما يملئ روح الحبيب سِوى صُورة أُنثاه ! قد حكم على شابًا في مُقتبل الانطلاق و تنفس الحياة بشراهة حيث السجنِ المُؤبد ثَّم العِقاب بأقسى ضربًا على الروح، و مَنعِ عائلتِه من زيارتِه و شرب رشقات الحنين لِمرةٍ واحدة في السنةِ. صوتِ سلاسِل القيّد البغيضةُ تؤلِم أذنِي و تغصُ بِقلبِي هيامُ الحِرية، كيف عسآيّ تحملُ كل هذا العناءِ؟ الألمِ؟ التكسر البغيضِ بِضراوةٍ؟ تكبلتُ بِقيدٍ، بمرارةٍ دونَ نفسٍ أو همس.. أُفكر بِوالدتِي حينًا و بِمولاتِي حينًا، ثُّم أبكي مُشتاقًا لِوالدتِي و حُريتي. – في ظِل إنكسَاراتِي.. تعالِي ضعِي قبلة على جبِيني ثُّم اقرأِّي تعويذاتُ الحُب على صدرِي لِـ أنام دونَّ بكاءٍ، أشتاقكم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.