ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تلميذ القسام شاعر الثورة ” نوح ابراهيم”

التحولات التاريخية التي واجهت الفلسطينيون ألمت بهم بجميع إمكانياته، وكان لظروف المصيرية كالثورة الفلسطينية في الثلاثينات والانتفاضات لها الأثر الأكبر. ومن اساليب مواجهة التحديات والتحولات كان لشعر الشعبي دور كبير خلال هذه الفترات المتلاحقة في القضية الفلسطينية، وظهر مسرح الشعر الشعبي عشرات الشعراء الذين ساهموا في توفير صورة واضحة عّما يجري في مجتمعهم، ومن أبرز هؤلاء الشعراء كان نوح ابراهيم، فنوح لم يكن مجرد شاعر شعبي بل ثوري كبير تتلمذ على يد عز الدين القسّام، ورافقه ثم تابع مسيرة الثورة بطريقته الخاصة مازجا بين الشعر وبين الكفاح من أجل العِزّة والكرامة. وأدرك نوح ابراهيم حجم المأساة الفلسطينية القادمة، وبِحِسّه الوطني فَهِمَ أنه إذا بقي عدم الاكتراث مُسيطرًا على نفوس الناس فستضيع فلسطين، لهذا نراهُ قد شَمّرَ عن سواعده وعن قلمه وكلماته من أجل خدمة قضية عادلة آمن بصدقها بكل جوارحه.

ولد نوح إبراهيم عام ( 1913 م) في مدينة حيفا، ونشأ في عائلة شعبية فقيرة، وتلقى فيها دراسته الابتدائية،  ولكنه لم يلبث أن تركها واضطر للعمل في إحدى المطابع. تفتحت فيه روح الشاعر الشعبي في سن مبكرة فأصبح يشارك في المنظمات الكشفية ومنظمات الشباب والعمال، فكان يلقي قصائد حول الأحداث المتلاحقة في تلك الفترة، وكانت له نشاطات اجتماعية ووطنية متعددة.

وهو يعرف بأنه الشاعر الشعبي لثورة (1936 – 1939)، فكان ينظم في عهد ثورة ( 1936 م) القصائد والأزجال والأناشيد بالعامية، وأحيانًا بالفصحى ويلقيها في الاجتماعات الوطنية العامة، وهي تثير النخوة وتؤجج الحمية، كما أنه كان يُعبّئها في أسطوانات لتباع في حيفا ويافا وفلسطين في زمن كان فيه الفونوغراف (الحاكي) وسيلة من وسائل البث والنشر. كان لا يكاد يقف بلباسه العربي وكوفيته وعقاله المقصب على المنبر أو المسرح حتى تنطلق الأكف ترحيبًا به. انضم إلى صفوف الثورة واستشهد عن عمر يناهز 25 عاما.

بالرغم من انه ترك المدرسة الابتدائية باكرًا إلا أنه ربط حياته اليومية بكل تفاصيل الأحداث والنشاطات والفعاليات التي كانت تتم في حيفا وسواها من المدن الفلسطينية الأخرى. فشارك في المحاضرات الأدبية والسياسية. وأيضا في المظاهرات السياسية ، وقد اعتقل نوح إبراهيم عدة مرات من قبل السلطات البريطانية، ولم يسمح له بنشر أشعاره في كتاب. وقد تحول الكثير من شعره إلى هتافات على أفواه الناس في المسيرات والمظاهرات.

وفي عام (1937م) اعتقل، في سجن المزرعة ثم في سجن عكا وقضى فيهما خمسة أشهر، وبعد ‏خروجه من المعتقل التحق بصفوف الثوار عام (1937)، حيث نظمه الشهيد عز الدين القسام في صفوف الجهادية، وأطلق عليه لقب تلميذ القسام، وكان يشارك بنفسه ‏في الكثير من المعارك ضد الاستعمار الإنجليزي. ولما استشهد عز الدين القسّام في موقعة أحراش يعبد وضع قصيدته “يا خسارة يا عز الدين” المُغَنَاة بصوته، والتي لاقت رواجًا في فلسطين وخارجها:

عز الدين يا خسارتك رُحِتْ فِدا لأمتكْ

مين بينكر شهامتك يا شهيد فلسطين

عز الدين يا مرحومْ موتك درس للعُموم

أه لــو كنـت تــدوم يا رئيس المجاهدين

إقروا الفاتحة يا إخوان على روح شُهدا الأوطان

وسجل عندَك يا زمان كل واحد منا عز الدين

ومن ‏المعارك المشهورة التي شارك فيها شاعرنا الشهيد وتركت أثراً في نفسه معركتا “جورة بحلص” و”وادي التفاح” ‏في جبال الخليل فغنى لهما:

تحيا شباب الخليل

أصحاب الباع الطويل

كل الأمة بتعرفهم

همتهم ما إلها مثيل

تعتبر قصيدة “دبرها يا مستر دلّ” من أشهر القصائد الشعبية لنوح إبراهيم، وقد حفظها في ذلك الزمن الكبير والصغير، و هي قصيدة طويلة تتألف من عدة مقاطع، يطلب الشاعر فيها من المستعمر أن يسلّم بحرية ‏شعبه الفلسطيني واستقلاله، ويندد فيها بمحاولات الإنكليز قمع الثورة ومطالباً بمنع بيع أراضي ‏العرب، ووقف هجرة اليهود إلى فلسطين. والمستر “دلّ” هو ضابط انكليزي مُدير غرفة العمليات والاستخبارات العسكرية، كُلّف بالمشاركة في إخماد الثورة الفلسطينية لإفساح المجال أمام العصابات اليهودية بتقوية ذاتها والتهيُيء  لِمَا هو قادم. أي أن الخطة المشتركة البريطانية واليهودية تسديد ضربة قاسمة للحركة الثورية الفلسطينية والقضاء عليها لتصبح الطريق مُمهدةً أمام تحقيق المشروع الصهيوني بإقامة الدولة اليهودية في فلسطين. كتبَ نوح يقول:

يا حضرة القائد “دِل” لا تظُنْ الأمـة بتمِـلْ

لكن إنتِ سايرهــا يمكن على ايدك بتحِلْ

فهّم لندن باللـي صار واللي بعدو راح يصير

العـرب أُمـة أحرار صداقتها لازمتكو كتير

إن كنت عاوز يا جنرال بالقوة تغـير هالحـال

لازم تعتـقـد أكـيـد طلبك صعب من المُحال

لكن خـدها بالحـكمة واعطينا الثمن يا خـال

ونفّـذ شروط الأمـة من حرية واستـقـلال

دبرها يا مستر “دِل” يمكن على ايدك بتحلْ

ولم يكن المستر “دلّ” الوحيد الذي خاطبه نوح إبراهيم شعراً وغناء، بل خاطب الكثيرين من ‏ممثلي السلطة البريطانية المركزيين،  ومنهم المندوب السامي البريطاني فيفلسطين ‏الجنرال “غرينفيلد وكهوب”، وندد بتآمره مع الحركة الصهيونية واغتصاب حقوق العرب ‏خلال مدة حكمه كلها.

‏يا فخامة المندوب

السير “غرينفل وكهوب”

إنت عارفنا مظلومين

وبدك تسكتنا بالطوب…

كما ورفض فكرة تقسيم فلسطين، حيث نزلت فكرة تقسيم فلسطين التي دعت إليها اللجنة الملكية البريطانية نزول الصاعقة على الفلسطينيين، لأن مشروع هذه الفكرة سيُفقدهم أجزاء كبيرة من وطنهم الغالي. وستؤدي الفكرة إلى تشتيت آلاف العائلات الفلسطينية، إضافة إلى ترحيل آلاف أخرى من مواقع سكناها إلى مواقع أخرى. فاستل قلمه ورفع صوته داعيا إلى رفض هذه الفكرة من أساسها:

عم تِفتِكروا بحل جديد ما بتنَفَذ بالتأكيد؟!
أما مشروع التقسيم؟ مرفوض وفاشل وبعيد
سمعنا عزمتو النيه على طريقة جهنمية
تاخدوا القدس وبيت لحم؟ وحيفا تكون دولية
وتُحشروا العرب بأميم!! والساحل للصهيونية؟

وظل نوح إبراهيم يقاتل ويكتب ويلحن حتى ‏استشهد، في معركة حول قرية طمرة، إحدى معارك جبال الجليل، وهو في طريقه للاشتراك في اجتماع قيادة الثورة في منطقة الجليل ‏الغربي ، فاستمرت القوات البريطانية ترافقها فرق من الهاغاناه بمداهمة مواقع ومعاقل الثوار الفلسطينيين في الجليل وأحراش يعبد لتصفية المقاومة الفلسطينية وتشتيت من تبقى من دعاة التحرر والتخلص من الاستعمار الأجنبي، فقامت بتاريخ 18/10/1938قوة عسكرية بريطانية مدعومة بطائرات سلاح الجو الملكي البريطاني بمحاصرة مجموعة من الثوار الفلسطينيين كان من بينهم نوح ابراهيم وقتلتهم بالقرب من طمرة وألقت بجثثهم في بئر ماء كي لا تجرى لهم جنازة، إلا أن أهالي قرية طمرة الجليلية أبوا إلا دفنهم بكرامة، فدفنوهم بعد إخراجهم من البئر بصورة سرية منعا لمعارضة الانكليز.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.