ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

“أبطال التوحد في فلسطين “.. واقعٌ مؤسف من التهميش إلى الإهمال

بإرادةٍ صلبة ، وعزيمةٍ لا تعرف الانكسار ترافقهم المحبة ومشاعر الأمومة الصادقة لأمهاتٍ قُدِّر لهنّ مواجهة الواقع الذي يصعب على أي أمٍ وجدت نفسها من دون موعد تُختبر في طفلها الصغير”  بمرض التوحد “، فأبت هذه الأم إلا أن تسلك سبيل الكفاح للوصول إلى حقوق طفلها الذي لا ذنب له بمرضه وإيصال رسالته للجميع .

إسلام حمران (6 أعوام) من مدينة نابلس أحد أطفال التوحد والذي كان ضحية للإهمال الذي يتعرض له أطفال التوحد في فلسطين ، اشتهرت قصته مؤخراً بعد تعرضه للضرب في إحدى جمعيات تأهيل إطفال التوحد ، إسلام الذي ذاق الظلم مرتين ،. الأولى باعتقال أبيه لدى سجون الاحتلال والثانية حين عاد إلى والدته باكياً وعلى جسمه آثار الخدوش والكدمات .

والدة إسلام دعاء اشتيه (30 عاماً) كانت ضيفة إشراقات لتحدثنا عن واقع مرض التوحد في فلسطين والإهمال الواضح بعد تجربتها التي مرت بها للوصول إلى دمج وتأهيل طفلها في المجتمع .

أنهت دعاء دراستها لبكالوريوس الكيمياء التطبيقية من جامعة النجاح وهي زوجة الأسير في سجون الاحتلال كامل حمران ، رُزقت بطفلها البكر إسلام و أخته خديجه (4 أعوام) ، ومبكراً قبل بلوغ إسلام العام من عمره  استطاعت دعاء ملاحظة اختلافه عن بقية الأطفال من حيث 

التواصل البصري والسمعي فاصطحبته إلى طبيبه الأطفال التي حولتها بدورها إلى أخصائيي الأعصاب في رام الله لتبدأ رحلة الفحوصات ا التي استمرت لمدة عامٍ ونصف انتهت بتشخيص إسلام ب “درجة توحد  شديد” لطفرةٍ بالجينات .

مرض التوحد الذي عرفه العلماء على أنه اضطراب في الجهاز العصبي مما يؤثر على وظائف المخ لدى الأطفال منذ الولادة فينعكس على حياتهم السلوكية والإدراكية .

 

عن واقع مرض التوحد واهتمام المراكز  المختصة والذي وصفته دعاء بالمؤسف جداً ، فالمراكز غالباً ربحية وعلى الأهل تكلف النفقات الباهظة المجهدة مادياً ،بالإضافة إلى الافتقار المراكز حكومية التي تقدم التأهيل أو الدمج لأطفال التوحد .

وأكدت دعاء أن أغلب المراكز الخاصة تفتقر للخطط الصحيحه والمجدولة والخبراء المختصين بالتعامل مع اطفال التوحد ، وأن الجلسات التي تُقدم للطفل تكون وليدة اللحظة دون تخطيط مسبق أو خططٍ مرتبة على المدى البعيد ، فتتساؤل دعاء كيف لطفلها ذو السادسة و الذي يزور المراكز يومياً أن لا يكون لديه أدنى خلفية عن أساسيات التعلم !

فبعد مقارنتها وإحاطتها بالموضوع ترى أن المراكز التي تقوم بتأهيل أطفال التوحد بالعادة عليها تقديم دورات خاصة لأهل الطفل حتى يقوموا بالدور المكمل لعلاج المركز وهذا الذي لم تلاحظ وجوده دعاء أبداً في مراكز فلسطين بل على العكس أكدت على أن مراكز تأهيل التوحد والتربية والتعليم وحتى المجتمع يعتبر أطفال التوحد أشخاص لا أمل من تأهيلهم ، فالمدارس الحكومية ترفض استقبال الأطفال ودمجهم مع بقية الأطفال في الصفوف المدرسية . 

فيما يمكننا القول أن هنالك أهالي يحاربون بشتى الوسائل ليلتحق أطفالهم بالمدارس كحد أدنى من حقوقهم في التعليم وإن نجحوا في ذلك يجلس طفل التوحد بصفه بلا تفاعل أو توجيه عدا عن التنمر عليه من الطلبة الآخرين .

 

أما ضحية هذا التهميش والإهمال كان الطفل إسلام وحالات أخرى لم يتحدث عنها الأهالي إعلامياً ، فتروي دعاء ما حدث لطفلها في إحدى الجمعيات المختصة، تقول :” بالعادة أقوم دائماً بالبحث عن المراكز والأنشطة الخاصة بطفلي وقد تلقيت دعوة من جمعية ناشئة وعدتني بتقديم المناسب له وبعد شهر وأسبوع تماماً عاد إسلام إلى البيت يصرخ ويبكي ولا يقبل أن اقترب منه لأطمئن عليه رافضاً الطعام والشراب ، مباشرةً لاحظت على رقبته آثار كدمات وخدوش فهاتفت مديرة الجمعية التي أخبرتني أنه قد يكون ضرب نفسه ، إلا أن طفلي لم يعتد على ضرب نفسه كما أن الخدوش تشير إلى أن من قام بذلك شخص أكبر من طفل فتوجهت إلى الجمعية مسرعة لمراجعتهم وبعد قيامهم بمراجعة الكاميرات ظهرت إحدى الأخصائيات تقوم بضرب إسلام بقسوة وتعنيفه من خلال شده من رقبته ، اعتذرت مديرة الجمعية وأخبرتني أن الأخصائية تم تعيينها حديثاً ، إلا أن هذا السبب غير مبرر فكيف لأخصائية في جمعية مختصة أم  تقوم بتعنيف طفل عاجز لا يتكلم ولا يعبر عن نفسه ؟ وكيف لي أن أتعامل مع الآثار النفسية السلبية التي تركها هذا الموقف في طفلي الذي أصبح يضرب رأسه ويرفض التعامل مع الآخرين بشدة ؟، فأنا لم أسكت عن حق طفلي وقمت بمتابعة الموضوع قضائياً وإعلامياً “.

فيما وجهت والدة إسلام رسالتها بألم إلى المجتمع في البداية لضرورة تقبل اختلاف أطفال التوحد عن بقية الأطفال فهم لا ذنب لهم بطفرة صاحبت الطفل منذ ولادته ، هذا الأمر الذي  قد يتعرض له أي أحدٍ دون حسبانٍ أو توقع خاصة أن الإحصائيات تشير إلى ازدياد نسبة الأطفال المصابون بمرض التوحد في فلسطين ، وأكدت على أهمية توعية الناس وتثقيفهم لأنفسهم وأطفالهم حول أطفال التوحد للتعامل معهم بإنسانية ووعي حتى يستطيع طفل التوحد  الخروج من قوقعته الأمر الذي يتطلب جهداً من المجتمع لدمج الطفل اجتماعياً وتعليمياً .

وعن رسالتها للدولة والمسؤولين أضافت دعاء :” كلمتي للمسؤولين أين دوركم في هذا الموضوع الذي يحصل فيه أي طفل في العالم على حقوقه ونحن لا ؟ نحن فئة غير صغيرة ولا يُستهان بنا وبمطالبنا العادلة ، نحن نريد منكم دمج أطفالنا في برنامج التعليم وهذا أدنى حق لهم من ضمنه التأمين الصحي أيضاً ، ما المانع لو كان في كل منطقة في فلسطين مدرسة فيها صف دراسي خاص لأطفالنا ؟ “.

دعاء لم تكن الوحيدة في هذا الكفاح بل شاركتها مجموعة من الأمهات نجحن في تفعيل قضية طفل التوحد في فلسطين وحقوقه ، كان على رأسهم حنين البنا (37 عاماً ) من مدينة نابلس، وهي حاصلة على الماجستير في الادارة التربوية وأم للطفل مهند عواد (15 عاماً) وهو الثاني بين إخوانه ، لاحظت حنين أعراض مرض طفلها بالتوحد مبكراً أيضاً حيث شعرت باختلافه بعد ولادته بشهور بسيطة فهو لم يتواصل معها أيضاً بصرياً رافضاً الرضاعة والبكاء باستمرار . 

 

 

حنين وصفت واقع هذا المرض في فلسطين أيضاً بأسف فهي على مدار 15عاماً لم تجد أي اهتمام من المجتمع ىالمؤسسات بل لاقت التهميش والرفض لطفلها حيث واجهت المشكلة نفسها في دمجه وتقبله في المدارس ، إلا أن حنين لم تقبل الواقع وأصرت على تسجيله ليتم قبوله على مضض بسبب قرار وزاري بإمكانية الدمج ،

لكن المدرسة لم تتعاون مع الأهل وحاولت تهميش الطفل وإجباره على المغادرة وهذا ما استطاعت تجاوزه حنين بعدم الاستسلام ووقوفها إلى جانب طفلها ليبقى داخل الصفوف المدرسية وحصوله على حقه في التعليم حتى استطاع الوصول إلى الصف التاسع حالياً . 

 

 

حنين ودعاء من النماذج التي استطاعت تفعيل قضية أطفال التوحد في فلسطين والتحدث عنها إعلامياً بالإضافة إلى رابطة أهالي أبطال التوحد التي تريد أن توصل رسالة الأهالي والأطفال إلى المجتمع للوصول إلى حقوقهم في التأهيل بعيداً عن المادية والاستغلال ، قريباً من التخصص والعلاج والدمج . هم وجدوا أنفسهم في هذا الصراع وحدهم آملين من المجتمع التفاعل والدعم لقضيتهم . 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.