ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

بسّام السايح،، عنه ومنه وإليه، المقاتل حتى آخر نفس

عن بسّام(1)…

أتخيل  نسبة لا بأس بها في الشارع الفلسطيني وهي تحكي عن بسّام بعد رحيله، لسانُ حالها ومقالها كأنه يقول بصراحة …
-هذا الإنسان عبثي وما كان عارف وين مصلحته وراح عالفاضي أو راحت عليه “المسكين” ،ومشان مين؟؟!!
– ضل داير مع الكتلة في النجاح طول دراسته وما فرقت معو وين موقعو
– وانحبس في ١٩٩٩ لأنه كان بناقل هو والعبثي الثاني محمد الحنبلي ممنوعات ،
– سكروا الجيش مطبعته لأنو كان يطبع بيانات الكتائب ومسكن فيها أكم مطارد ومش عارف مصلحته!!
-انحبس إداري في اجتياح نابلس ولو ريح حاله واعترف كان اتأبد بس عنّد وما رضي وكل قضيته كانوا صاروا شهدا
-ما كفاه إنو أخوه ينسجن ٢٠ سنة بعد ما اطارد واتصاوب ,كمل ورا أخوه وما اتعلم الدرس
-الناس التهت بأشغالها بعد ما انحبس اللي انحبس ومات اللي مات وهو استمر بعبثيته مرة دورة قرآن ومرة نشاط دعوي
-مع أمراض السرطان اللي بينت معو ضل حامل السلم بالعرض وانسجن على سلاح وحماس وإثارة نعرات وما خلى سجن يعتب عليه
-الناس كان معها حق إنها تعتذر عن توفير وظيفة أو شغل إلو لأنو مزعج وما بنضمَن وراسو حامي وعقلو مغلبو وبجيب وجعة الراس ومش عارف وين مصلحته ولا راضي يهدا …
-سمحولوا يسافر للعلاج وضل مصرّ يشتغل في الأمور الممنوعة فرجع ونظم خلية عملت عملية إيتمار وانسجنت مرتو من تحت راسو لأنها ساعدت زوجها
هذا الإنسان العبثي معو ماستر علوم سياسية وبكالوريوس إعلام
أسس مطبعته وشغله الخاص وعمره ٢٢ سنة
ضيع كل هالحكي مشان شو ؟
شو جابره يكون بالسجن يوصل عالفحص اليومي لمجموعة أمراضه مكبل مش قادر عالحركة
شو جابره وهو عندو جهاز منظم نبضات القلب ونوعين سرطان، ومجرد فلونزا صغيرة ممكن تقتلو ويقوم عالحمام في اليوم أكثر من ٣٠ مرة على ووكر ….
مش لو ضل عايش في حاله في باله كان …..
-كان شو ؟؟؟؟..كان… مات بين أهله؟؟ …. يعني آخرتها موتة ؟؟!! بس شتان ..

الحوار أعلاه بكل أسف ليس محصوراً بلون حزبي أو مستوى ثقافي أو مالي أو علمي، حوار مؤسس على اختلال كثير من الموازين والمعادلات ،مؤسس على التعامل مع الاحتلال بطريقة الإهمال- وكأنه غير موجود-سوى في كل تفصيلة من حياة كل فلسطيني،
أصحابه يحبون القدس وفلسطين لكن لا يحبون ” وجعة الراس” فيتعاملون معها على أساس “إنو آخرتها راجعة”!!
حوار صار ينتشر في أفكار شعبنا مثل السرطان ،

بس حتى السرطان ما وقف #الشهيد_بسام_السايح

 

عن بسّام(2)…

 

لا ينبغي للنموذج أن يموت حتى يلمع بين الناس، أي صاحب بصيرة يدرك لمعان النماذج بأفعالهم ومواقفهم الصغيرة قبل الكبيرة ،إنما طريقة رحيله  تخلد ذكره فقط، أما حياته فقد كانت تروي مسار الخاتمة قبل أن يصلها… ،هكذا هم الشهداء وهكذا كان بسام الشاب المحترق لقضيته رغم هدوئه، القوي رغم مرضه، الثابت رغم كل آلامه وأوجاعه، وهكذا كان بسام المنتظر للموت على “ركبة ونص” كما كان يمزح كثيرا

أربعة عشر شهرا،البرش مقابل البرش ..ما وجدتُ مثل أبي أيوب صبراً مع العزم ولا ثقة مع التوكل ولا أملاً مع التفاؤل ولا مرحاً مع الألم
وهو قعيد برشه وقيد أسره : أنهى ختمة تلاوة بالتجويد المتصل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ،تعلم العبري بدرجة متقدمة ،حلل وناقش ودافع بشراسة عن فكر المقاومة واستراتيجيتها ،ولام بحرقة خذلان الناس وتخاذلهم، بحة صوته لم تمنعه من التواصل مع أمه وزوجه مصبراً عاشقاً متأملاً بيوم اللقاء، كثيراً ما كان يقفل التلفون “المهرب” ثم يأتي ممازحاً لنا : “يا راح اتموتوا قبلي يا راح أسبقكم “،
آه لو رأيته يخرج للساحة حين يهجم عليه الكل يقبلون رأسه يمازحهم ويتحسس أصغر آلام كل واحد فيهم، يسأل هذا عن حكمه الذي لن يصل لسنة وهو المنتظر حكم المؤبد ، ويهنيء هذا بسلامته من الانفلونزا وهو الذي بالكاد ينجو منها، يمازح فلان عن صغيره وهو الذي لم يُنجب، ويبارك لكل مفرج عنه بالإفراج بحب وحنان وحزم في عبارة “إذا بترجع عالسجن يا ويلك”..
متعة مع ألم تلك الأيام التي جمعت أمجد السائح ـأبو مصعب – بأخيه بسام ، أمجد القائد القسامي المحكوم 20 سنة يأتيه بسام مريضا أشد المرض بعد 13 سنة اعتقال  ليقوم على خدمته طوال سنوات أربع بكل التفاصيل التي تتخيلها ،وتنقلات السجون التي لا يمكن أن يتخيلها إلا مجرب، فما ترى إلا رجلين في الصبر طفلان في المودة وعند مكالمة أمهما وأطفال إخوتهما، شابان ما بعد الخامسة والأربعين لا يرضيان إلا اليد العليا في كل شيء،

بسام ذاكرة متنقلة –أو كانت متنقلة- لم تستطع حبات “المخدر الثلاث يوميا- أن تشوش تفصيلاً واحداً من تريخ رواه لنا مرارا، كانت غالبا تغيب فيه “الأنا” ،

أمتع وهو يقص عن تاريخ عاشه في أزقة نابلس أو في أروقة النجاح مع الأسرى والشهداء، أشعل في كل من سمعه ذاكرة الحنين لأيام كان فيها يوسف السركجي والجمالين ودروزة والطاهر وعصيدة وقيس والحنبلي وحامد الصدر وهواش وأمين فاضل وجاسر ونسيم، وأكثر من الحديث عن الوحدة وهي تكتب بالدم والمعاناة وأنفاس وعرق المقاومين
وأبكى وهو يقص أيامأً شديدة القسوة في سجون أريحا والجنيد ، كان يسكت ثم يدعو الله بأن لا يسامح من أسرف في ظلمه وبغى عليه وهو في درب المقاومة!! ثم يستدرك مستثنياً من تاب..

 

من بسّام…

لم يكن بسّام مُنظراً رغم امتلاكه لفكر قلما تجده، ذلك الفكر الذي لا تهزه البلاآت واللسان الذي لا ترجفه النوازل، لم يكن لعناده القوي علاقة بإيمانه الراسخ بحتمية النصر وبخيار المقاومة المفتوحة حتى القدس، كان يقول “اللي بدو يتريح يبعد عنّا وما يصير همه إنو كل الناس تتريح!!”بسام : هو المُغادر الذي ما فقد الأمل بربه ولو ثانية، لم أسمعه مرة يتأفف إلا حين تمنعه أعذار أمراضه عن الصلاة في وقتها

بسام: هو المُقاوم الذي ما رأى لنفسه فضلاً يلزم غيره به ،ذات تصعيد في غزة قلنا له ممازحين “هي ردت ولعت وممكن تتأخر ترويحتك” فأجاب جاداً:- ربنا يحميهم والترويحة لبعدين!!

بسام:- البسّامُ دائما، كم أبكانا ونحن حوله حين يبتسم لمن يزوره رغم علمنا أنه يتألم كمن تتكسر عظامه فلا يستطيع السعال خوفاً من ألم عظامه، فكاهة بسام كانت ذكية لمّاحة حاضرة البديهة وذات مغزى

بسّام :-مات خلال ثلاث سنوات ماضية أكثر من 5 مرات

منها مرة في بداية التحقيق أُرسل للمشفى الذي توفي فيه فأخبرته البروفوسورة المتخصصة –بحزن مصطنع-أن المدة المتبقية لك 6 شهور ، خلال بداية هذا العام ذهب لنفس المستشفى وحالته حرجة فأخبرته نفس الطبيبة أنها تابعت حالة –أخيه –قبل سنوات ، وصُعقت عند علمها أنها تتحدث عنه ذاته، فقال لها :عمري بيد ربي وحده مش بإيدك ولا إيد دولتك..

بسام: كان يرفض نظرة الشفقة والعطف ، يتسابق الكل لخدمته فإذا به قد سبق الكل تفقداً وتواصلا بالهدية والابتسامة، لم يتعامل مع قصته على أنها بطولة بقدر ما تعامل مع من حوله أنهم أبطال، لم يطرح فكرة مقاومته للنقاش بقدر ما أضاف على مقاومته فكرة الواجب لا الترف والقتال حتى آخر نفس

 


إلى بسّام…

أخي الحبيب أبو أيوب، ما أود إخبارك به أظنك تعلمه ، غيرُ مُجد أن نعزف في غيابك سيمفونية العجز والتلاوم ، مثلما هو العيب أن نراك مسكينا تستحق الشفقة على  خيار طرت إليه بعزمك وإيمانك رغم أمراضك وسلكته مقاوماً حتى آخر نفس كما كنت تقول

عليك الرحمات تتوالى ولك الأعمال التي لا تنقطع بنموذج الثبات الذي سطرته مدرسة  وصدقاتك الجارية وأبنائك في الدرب حتى  يبعثون .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.