ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

من يوميات أسير

دقت الساعة الثامنة صباحاً أجراسها  , والشمس مبتسمة تتسلل عبر نافذة السجن لتغزل خيوطها في جسمه لتعينه على النهوض من على البرش معلنةً يوم الحرية , تتسلل عبر جسمه وتصل الى ذاكرته تستنهض أيام ما قبل السجن وحضن أمه الدافئ , والأستيقاظ كل صباح على نسمات دافئة تحمل بين طياتها أصوات عائلته ورائحة أمه وصوت أبيه الذي يتخلله الأمان، ومشاكسة إخوانه وتداعب تلك النسمات خطوط وجههُ وتحمله معها ليصبح بين الغيوم عالياً من شدة الفرح .

ينهض ويستعد لليوم الذي انتظره من عامين ويجلب الملابس التي كان قد جهزها منذ أربعة عشر يوماً ليوم الحرية ويستعد لذهاب. ثم جلس يعد الدقائق لكي يغادر من ذلك القبر.
مرت الدقائق والساعات وخيوط الأمل أخذت بتلاشي وعند الساعة الحادية عشر كانت الخيوط كلها قد انقطعت وعيونه التي كانت تراقب باب الزنزانة بين ثانية واخرى قد توقفت ، واليأس قد عم المكان والإحباط أخذ يحوم حوله، وقد خلع ملابس المغادرة ولبس ملابس السجن المعتادة , وبعد دقائق معدودة أخذ باب الزنزانة يفتح شيئاً فشيئاً وإدارة مصلحة السجون قد أتت وأبلغته بأنه سوف يتم الإفراج عنه ليوم وقد أعطته دقيقة واحدة ليجهز نفسه ويقوم بتوديع إخوته الّذين كانوا يرافقونه بالسجن أخذ يجهز نفسه وكان يتحسس الملابس ببطء وكأن ثقل الكون قد تجمع في يديه وأحس بالنيران تحيطه من اليمين والشمال؛ ف كيف يحصل على حريته بينما إخوته يصارعون الموت في تلك الزنزانة؟! وكيف يتخلى عن فرصته في حصوله على هواء الحرية وشوقه إلى أهله؟!

أثناء وقوفه قام أحد الجنود بسحبه ومنعوه من توديع إخوته وإحتضانهم للمرة الاخيرة, وقبل خروجه من الزنزانة كان أخوه قد أعطاه رسالة تحمل بين طياتها أخباره وإشتياقه للفتاة التي يحبها مقدماً لها الوعود بالزواج يحمّله أيضاً اشواقه قام بتخبئة الرسالة في حذاءه خوفاً من أن يراها أحد الجنود ويمنعوه من الخروج.
قادوه إلى غرف التفتيش ومرت ساعات عليهم وهم يفتشونه , إلى أن وصل إلى الوحوش البشرية الملقبة ب (الناخشون) تلك التي تغرز مخالبها في الأجساد وتتحسس الأعضاء من شدة تخوفهم رغم القوة العسكرية التي معهم ولكن يفتقدون إلى القوة الحقيقة وهي حقيقة أنه ليس لهم وجود على هذه الأرض قاموا بتفتيشه وكانوا قد أمروه أن يخلع حذاءه لتفتيشه وكان التردد ينبض في قلبه والقلق والتخوف من رؤية الرسالة، قاموا بتفتيشه ووجدوا الرسالة داخل الحذاء ما أثار الجنون داخل عقولهم وأشعل نيران الغضب في عيونهم عندما وجدوا الرسالة قاموا بتقييده وانهالوا عليه بالضرب المبرح وأقدامهم تنغرس في جسده وأيديهم تلامس جسده وآثار الدماء تلطخ عليهم , ومن شدة الضرب والألم غاب عن وعيه وقاموا بتكبيله ورميه في إحدى الغرف الصغيرة التي لا يستطع أن يعيش بداخلها أحد وما أن استعاد وعيه إلا أن وجد نفسه محاط من جنود وضباط وشياطين من كل مكان والأسئلة تنهمر عليه كزخات المطر في إحدى ليالي ديسمبر ،كانوا يريدوا أن يعرفوا ما مضمون الرسالة ولمن توجه ومن قبل من وما الرموز التي تحتويها وكما أنهم وعدوه بالحكم الإداري وأنه لن يخرج من ذلك السجن أبداً، ومن ثم أخذوه إلى غرفة التفتيش التي كان يتوجب عليهم أن يخلعوا ملابسهم كاملة ليقوموا بتفتيشه ، لقد رفض ذلك لأن كرامته قد تمسكت به وأبت أن تهان إلا أن تخوفه من عدم رؤيته لأهله وإخوته قد تحكم على كل مشاعره واضطر على خلع ملابسه , ولكن قذارة الإحتلال كانت قد تخطت أعلى الحدود فأجبروه على خلع ملابسه عشر مرات بحجة التفتيش وأثناء التفتيش قد سمع أحد الجنود وهو يتكلم إلى أحد ضباط الإحتلال ويقوم بتلفيق الإتهامات للأسير وادعى أنه كان يخبئ الرسالة داخل فمه لكن الأسير كان يتسطيع أن يفهم اللغة العبرية مما أدى إلى رفضه لتلك الإتهامات الباطلة التي سوف يلبسونه إياها .
سحبوه إلي الزنزانه ومرت عدة ساعات من اليأس والإحباط وقطعان الأمل من جديد إلا أن دخل مدير السجن وقام بإخباره أنه تم الإفراج عنه ولقد تسارعت نبضات قلبه وأحس بارتعاش يهز جسمه والفرحة تخلق جناحيها لتحمله إلى أعالي السماء، وعند خروجه من السجن وركوبه  (البوسطة) التي كان من المعجزات أن يحيا فيها الإنسان لصغر مساحتها حيث كانت أشبه بالقبر، وعند وصوله إلى المكان الذي تم تحديده للإفراج عنه فيه كانت هناك بوابة تفصل بينه وبين أهله وحريته , ولكن قذارة الإحتلال تعود من جديد حيث كانوا يخبرونه أنه يستطيع الذهاب ثم يوقفونه وتم تكرار ذلك بهدف خلق حرب نفسية للأسير ولكن إصراره وثقته بالحرية كانت الأساس لبقاءه .

لمست قدماه الأرض فشعر بإحساس غريب يصعد من قدماه ويسير ليصل قلبه فهو لم يدس على الأرض والتراب منذ عامين وما أن مشى خطوتين إلا أن هب بالركض لاحتضان عائلته .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.