ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مجزرة تل الزعتر: بين الأمس واليوم

مرت الذكرى الـ 43 لمجزرة تل الزعتر في 14/8، وما يلفت نظري دائمًا هو التناول السطحي للمجزرة والمعلومات الناقصة حول أحداثها وخلفياتها وتداعياتها، واستخدامها لتصفية الحسابات الحالية مع بعض أطرافها (مثلما يستخدمها البعض ليصفي حساباته مع النظام السوري).

ما زال هنالك الكثير من ملابسات المجزرة غير واضحة وبحاجة لبحث ودراسة مستفيضة، لذا سأحاول تسليط الضوء على أحداث المجزرة وسياقها التاريخي، وأبرز النقاط المختلف عليها حولها. خلفية عامة: اعتبرت القوى السياسية المارونية تدفق اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة عام 1948م تهديدًا للأغلبية المسيحية في لبنان، ومع نشوء الفصائل الفلسطينية التي حملت السلاح لمقاومة الاحتلال الصهيوني بدأ الصراع يتصاعد وكانت هنالك محاولات لاحتوائه مثل اتفاق القاهرة عام 1969م.

انفجرت الحرب الأهلية اللبنانية بعد مجزرة عين الرمانة في 13/4/1975م عندما أطلق مقاتلون تابعون للمليشيات المارونية النار على حافلة كانت تقل لاجئين فلسطينيين عائدين إلى مخيم تل الزعتر، عند حاجز في منطقة عين الرمانة ببيروت الشرقية، واستشهد في المجزرة 27 فلسطينيًا.

اندلعت بعدها المعارك والتصفيات بين المليشيات المارونية في جانب والتي كانت تتلقى دعم دول غربية والكيان الصهيوني، والتنظيمات الفلسطينيية واللبنانية اليسارية المتحالفة معها في الجانب الآخر والتي كانت تتلقى الدعم من بعض الأنظمة العربية مثل سوريا.

كما حصلت عمليات قتل على الهوية الطائفية عند الحواجز المختلفة، وعمليات تهجير للمسلمين من المناطق ذات الغالبية المسيحية، وللمسيحيين من المناطق ذات الغالبية المسلمة. كان مخيم تل الزعتر وأحياء مثل الكرنتينا والمسلخ جيوبًا مسلمة داخل بيروت الشرقية التي يغلب عليها الطابع المسيحي، مع بداية عام 1976م توسعت أعمال التهجير الطائفي، فهاجمت المليشيات المارونية منطقة الكرنتينا والمسلخ التي كان يسكنها فلسطينيون وسوريون ولبنانيون شيعة وارتكبت فيها مجزرة وهجرت سكانها.

وردًا عليها هوجمت بلدة الدامور المسيحية في بيروت الغربية وتم تهجير أهلها، وتصاعدت الأعمال القتالية وبدأت القوات المارونية تخسر المعارك وكادت بيروت الشرقية تسقط بالكامل بيد القوات الفلسطينية واللبنانية اليسارية.

مما دفع جامعة الدول العربية إلى إرسال قوة عسكرية من 30 ألف جندي تسمى “قوات الردع العربية”، منهم 25 ألف جندي سوري والبقية من السعودية والسودان واليمن والإمارات، لتكون قوة فاصلة بين الجانب الماروني والتنظيمات الفلسطينية واللبنانية، وذلك في 21/6/1976م.

بقي مخيم تل الزعتر وما حوله محاصرين من قبل القوات المارونية، ولم تقدم قوات الردع العربية أي مساعدة لرفع الحصار عن المخيم ولا سمحت للقوات الفلسطينية بالقدوم إليه والدفاع عنه.

حصار ومجزرة تل الزعتر:

عكس الانطباع الأولي لم ترتكب مجزرة تل الزعتر بتاريخ 14/8/1976م بل هي حصيلة للحصار والقصف الذي امتد إلى 52 يومًا وانتهى بتاريخ 14/8 بالإضافة للإعدامات التي رافقت الأيام الأخيرة للحصار.

كان يسكن تل الزعتر وما يجاوره قبل الحرب الأهلية حوالي 35 ألف نسمة (20 ألف فلسطيني و15 ألف لبناني مسلم).

 

القوات التي حاصرت مخيم تل الزعتر وارتكبت المجازر هي المليشيا المارونية الآتية:

حزب الكتائب بزعامة بيير الجميل،

ومليشيا النمور بقيادة جميل شمعون،

وجيش تحرير زغرتا بقيادة طوني فرنجية،

ومليشيا حراس الأرز بقيادة أتيان صقر.

أما الجيش السوري فلم يشارك في المجزرة بشكل مباشر كما تزعم بعض الكتابات التي لا تتوخى الدقة التاريخية، بل كان متواطئًا بمنعه وصول أي مساعدة للمحاصرين في تل الزعتر، ولهذا يشار إليه بالاتهام.

في 29/6/1976م سقط مخيم جسر الباشا وحي التبعة المجاوران لتل الزعتر، واستشهد حوالي 200 شخص في المجزرة التي أطلق عليها مجزرة جسر الباشا، ورغم أن سكان المخيم من المسيحيين الفلسطينيين، إلا أنه سياسيًا كان محسوبًا على الطرف المعادي للموارنة، أما حي التبعة فكان معظم سكانه من اللبنانيين المسلمين.

وفي نفس الشهر بدأ الحصار المشدد لمخيم تل الزعتر واستمر مع قصف شديد واشتباكات 52 يومًا إلى أن سقط نهائيًا في 14/8/1976م، وهنالك تباين كبير بين المصادر حول أعداد الشهداء لكن أكثرها ترجيحًا حوالي ألف شهيد.

ومما نقله شهود العيان أنه في 12/8/1976م سمح لسكان المخيم بمغادرته إلا أنه أثناء الخروج كان مقاتلو المليشيات المارونية يعتقلون الذكور ممن أعمارهم فوق 15 عامًا، فهرب عدد منهم عائدين للمخيم وحاولوا الهروب من طرق أخرى، منهم من نجح وآخرون استشهدوا.

بعد سقوط المخيم قامت الجرافات المارونية بتدميره بشكل كامل وتسوية منازله بالأرض حيث ما زال حتى يومنا هذا مدمرًا.

نقاط خلافية بحاجة لبحث:

    • أهم نقطة تحتاج لبحث هي عدد الشهداء الذين ارتقوا في مجزرة تل الزعتر، فهنالك مصادر تتكلم عن 3 آلاف شهيد (وليس واضحًا هل المقصود حصار تل الزعتر الأخير أم كامل المعارك في المنطقة)، ومصادر أخرى تقول ألف شهيد، وهنالك مصادر تبالغ بالأرقام وتصل إلى 9 آلاف و16 ألفًا لكن هذه الأرقام لا أساس منطقي لها، فحسب ما هو مرجح لم يكن في المخيم في حصاره الأخير أكثر من 5 آلاف شخص حيث هرب أكثر السكان في المعارك التي سبقته.

 

    • النقطة الخلافية الأخرى هي دافع النظام السوري للتواطؤ مع المليشيا المارونية، رغم أنه كان حليفًا وداعمًا للتنظيمات الفلسطينية، فيقول المدافعون عنه أنه أراد تفويت الفرصة على الأمريكان والصهاينة الذين كانوا سيتدخلون بشكل مباشر للدفاع عن الموارنة، أما منتقدوه فيقولون أنه باع التنظيمات الفلسطينية مقابل الحصول لجيشه على موطئ قدم داخل لبنان بمباركة دولية.
    • وهنالك نقطة خلافية ثالثة حول دور فصائل منظمة التحرير (ياسر عرفات تحديدًا) وسبب عدم قيامها بشيء لنجدة المخيم، فنجد ناجي علوش يتهم عرفات بأنه رفض اقتراحًا لإرسال قوات لانقاذ المخيم عبر مناطق لا يتواجد فيها الجيش السوري، مراهنًا على حسابات سياسية والحصول على قنوات اتصال مع الأوروبيين، بينما يدافع آخرون عن عرفات أنه لم يكن بالإمكان فعل أي شيء لمساندة المخيم. الحسم في هذه النقاط الخلافية (وغيرها) بحاجة لجهد بحثي معمق حتى نتفادى الأحكام الجاهزة.

 

تداعيات المجزرة:

أهم تداعيات مجزرة تل الزعتر أنها خلقت شرخًا بين حركة فتح والنظام السوري اتسع مع الوقت، وقطيعة استمرت لأكثر من أربعين عامًا، طبعًا هنالك ابعاد أخرى للقطيعة من بينها تحالف عرفات مع نظام السادات (المنافس لنظام الأسد)، لكن البداية بدأت من تل الزعتر. بينما تصالحت التنظيمات اليسارية لاحقًأ مع نظام الأسد وأكملت معه المشوار خلال الحرب الأهلية اللبنانية التي لم تنتهِ إلا في نهاية عام 1990م. ومن ناحية أخرى كان المخيم آخر جيب مسلم يسقط في بيروت الشرقية، لتستطيع المليشيا المارونية تأمين هذه المنطقة لتكون معقلًا لها طوال الحرب الأهلية.

عبر ودروس:

لعل من أهم الدروس المستفادة من تل الزعتر هو خطأ الرهان على الأنظمة العربية، خاصة الانتهازية النفعية، يمكن الحصول منها على دعم وقت الحاجة لكن يجب الأخذ بعين الحسبان أنه في لحظة من اللحظات يمكن أن تترككم وحدكم وسط المعركة دون أن يرف لها جفن.

 

صور من المخيم:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.