ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

التربية الوجدانية

كثيرًا ما يكون غضبنا وانفعالاتنا غير محسوبة في الشارع أو المدرسة أو المؤسسة، وكثيرًا ما تقودنا للتعبير عنها بسلوك سلبي وأحيانا قاسٍ بعيد عن تعاليم ديننا وسلوك نبي الرحمة، وهنا يتبادر لأذهاننا لماذا لم نضبط ردات أفعالنا؟ وكيف لنا أن نمتلك سلوك ما وصف به حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. إن للتربية دورًا أساسيا في تكوين شخصية الطفل، حيث من الثابت علميا أن الإنسان يولد صفحة بيضاء خالية من أي اتجاه، وهو يحمل أيضا الاستعداد لتلقي العلوم والمعارف والتشكل وفق خط سلوكي معين.

وهنا يبرز دور التربية في بناء شخصية الطفل وسلامته النفسية وأثرها في سعادة الإنسان والمجتمع، وأجمل التربية تلك التربية الوجدانية القائمة على الأحاسيس التي ينبغي أن يربى عليها الطفل، فيندفع لفعل الخير ونفسه تواقة مستعذبة له.

التربية الوجدانية هي تربية قائمة على إبراز مشاعر الحب والعطف للطفل، وهي مهمة لصحته النفسية، كذلك للانتماء للجماعة لاحقا، فالطفل الذي لا يشبع الحب الأسري، سيعاني الجوع العاطفي، ويشعر بأنه غير مرغوب فيه، فيصبح سيء الطباع صعب التكيف، ويعبر عن ذلك بسلوك سلبي عنيف مع أقرانه ويكون سهل الانحراف والانجراف مع أصدقاء السوء.

إن الحب والحنان الأسري، خاصة من الوالدين في المراحل العمرية الأولى، علاج لكثير من المشاكل النفسية فهو يمنح الطفل الاستقرار والطمأنينة، فجميع الآباء محب لأطفاله لكن قلة هم من يستطيعون التعبير عن هذا الحب الذي يجب أن يكون قائما على الحوار والمناقشة والتوجيه السليم، دون استخدام القسوة والألفاظ البذيئة. إن التعامل مع الطفل بلطف ولين يساعده على التعلم في جو مساعد مفعم بالإيجابية.

بالتربية الوجدانية السليمة، يستطيع الطفل مناقشة مشاكله، يتعلم التعامل وحل خلافاته، يتعلم الإنصات وطرح الأسئلة الدقيقة، يعبر عن آرائه دون خوف أو انفعال مفرط ودون انسحاب سلبي، يدرك تقدير الذات فتزداد ثقته بنفسه، وتتكون لديه شخصية قوية متوازنة. وعلى النقيض تمامًا، أثبت الباحثون أن الكثير من الأزمات النفسية عند الأطفال، إنما تجد جذورها في التربية المضطربة التي ينقصها هذا الطابع الوجداني.

فمع نقصان الحب والحوار، ينقص الاهتمام. فعيش الطفل بإحساس عدم الأمن والانغلاق على النفس، يؤدي به إلى أمراض جسدية أو نفسية. كما أن الأطفال الذين لا يشعرون بدفء المأوى ودفء العاطفة وينشؤون على العنف والحرمان، ينعكس ذلك لاحقا على أفعالهم وسلوكهم.

تجدهم لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم، عنيفين أو مزاجهم صعب، سريعي الانفعال والغضب وقد يجدون صعوبة في تقبل واحتواء الآخرين أو الانصهار في المدرسة والجماعة لاحقًا.

من ناحية أخرى، إن توفير الحب للطفل لا يعني غض الطرف عما يصدر منه من سلوك خاطئ، وألا نضع قيودًا تضبط له سلوكه، فيترك لدوافعه، فالإفراط والتدليل يأتي بنتائج عكسية.

لا بد أن يكون هناك حزم في التربية تقوّم الاعوجاج في أوانه بأساليب لا تمس بناءه الشخصي والنفسي. في النهاية، لا يكفي أن نحب أطفالنا علينا أن نفكر بالطريقة التي نحبهم بها، حب بلا تملك، فلا نعامل الطفل كسجين لدينا لا ينصت سوى لكلامنا، ولا نحبهم لنذكرهم يوما أنهم مدينون لنا بكل شيء.

بالتربية الوجدانية نكون زرعنا الحب في قلوب أطفالنا، حب يجعلهم يسعون جاهدين لإرضائنا ولأن يكونوا على أحسن حالٍ كما نحب ونتمنى.

2 تعليقات
  1. وسام يقول

    رائعة، وهذا ما يحتاجه مجتمعنا العربي… التربية السليمة هي أساس نجاح الإنسان من جميع النواحي وخاصة النفسية..

  2. Wiaam mokayd يقول

    مقالة قمة في الروعة الى الامام وبالتوفيق بأذن الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.