ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

رغبات تحققت بعد خمود شعلتها

لم أحظَ بنشوة الوصول ومُعانقة السماء في كُلِّ مرةٍ توقَّدت فيها رغبةٌ بين أضلعي، على عكسِ أغلب ما تعلَّمته عن الإصرار على الحُلُم والتمرُّد على كل ما يقف بوجهه إلى حين بلوغه. لا.. لم أبلغه.

أو ربما لم تكن الظروف المحيطة بالرفاهية الكافية التي تسمح لي بمعاناةٍ مؤقتة يليها الحصول على ما أريد. نعم كان هناك أسى وألم لكن لا.. لم أحصل عليه.

تطوف بي هذه الخواطر كلما أتتني ذكرى تنتشلني من يومي هذا إلى قبل أربع أو خمس سنواتٍ مضت؛ أذكر تعلُّقي بمواضيع مختلفة بشكل لا يوصف، والمذكَّرات القديمة تشهد على إصراري اللا متناهي في خلق طرق للوصول إليها، وتشهد على ليالٍ طويلة ما كانت تمرُّ بدون لوعة الشوق، وقلق المصير، وشتات السبيل.. حتى أذكر أنه رغم انغلاق عدَّة مخارج، كنتُ أدخل الطريق الذي يليه بأملٍ غير متناهٍ لو رآه أحدٌ لشكَّ أنَّني أرى الغيبَ وأعلم منه قُرب حصول مرادي! نعم لتلك الدرجة كنتُ أحاول وأصارع وأعاني ولا أقبل حتى ورود خيار أن لا يحصل ما أريد. وهبتُ طاقتي بأكملها لهذا، تفكيري وشرودي، عملي ودأبي، وكل أيامي. لكنه لم يحصل. واليوم بعد كل تلك السنين يتقاطع طريقي صُدفةً مع أكثر من رغبة قديمة مدفونة في زاوية مهجورة من ذاكرتي، أراها تأتيني على قدميها، تحبو نحوي بدون أن أحتاج أن أُحرِّك ساكناً من أجلها، تُناديني من مكانٍ بعيد.. لكنني بالكاد أستطيع سماع صوتها، أنا اليوم بشخصٍ آخر وأفكارٍ مختلفة تماماً، لِمَ اليوم؟ لِمَ؟ صوتها هذا كنتُ بأمسِّ الحاجة إليه في الماضي لا اليوم. تغيَّرت المُعطيات، والاحتياجات، نضجت الأفكار من كثرة احتراقها بأوجاع الخيْبة.

أُدهَش حقاً، اليوم بدون أدنى سعيٍ مني تأتيني رغبة قديمة، ومنذ سنوات لم أدع طريقَ سعيٍ إلا ومشيتُ فيه لكنها رفضت أن تأتيني! ومن ثُمَّ أستعيد كُلَّ ما حدث بشريط فيلمٍ سريعٍ في مُخيِّلتي، منذ أن بدأت شُعلة هذه الرغبة إلى حين انطفائها. أسترجع كل شيء؛ ماذا حدث حتى أردتُ ذلك؟ وخلال كل تلك الأيام ما الذي تغيَّر في حياتي؟ عندما كنتُ أذوب من أجل الحصول عليها ماذا تغيَّر في شخصيتي؟ وهذه الخيبة المتتالية ما الذي بَنَتْه في كياني؟ وإذا بي أُذهَل، وأحمد المولى على أنني أردتُ شيئاً لم يُكتَب لي ! نعم أحمده. لقد كانت فترة بناء عظيم في داخلي، فترة تثبيت العديد من المبادئ في شخصيتي، ما كنتُ لأفهم أيَّاً منها بدون ذلك الاحتراق، ما كنتُ لأكون بهذا الوعي بدون ذلك التحطيم. إذاً ليس كُلّ ما نريده مهما كان طاهراً نقياً ومهما سعينا من أجله، ليس كُلّ ما نريده هو أفضل ما يمكن أن يحدث لنا. ربما نُجذَب تجاهه لهدفٍ مختلفٍ تماماً، تظنُّ نفسك تسعى للهناء وإذا بك تعيش الشقاء! لكنه يبعثُ فيكَ الحياة، الوعي، الإدراك، القوَّة. وكل ذلك ما كنتَ لتحصل عليه بقراءة ألف كتاب ولا بسماع ألف نصيحة، كان يجبُ أن تنكسر في أكثر شيءٍ ترغبه، أن تتذوَّق ذلك العلقم لتحظى بهذا الفَهْم. لذلك لا تحزن كثيراً عندما يأتيك ما كُنتَ تريده بعد أن برد داخلك تجاهه، وفات أوانه، وبهت لونه، وانتهت لذَّته. لا بأس.. لقد أخذتَ الأثمن منه، وبفضله تعلَّمت دروساً ما كُنتَ لتتعلَّمها بدونه.

كُن ممتنَّاً له ولا تخجل أبداً من الاعتراف بأنَّك طلبتَ شيئاً يوماً ما وخُذِلت، لأن هذا ما جعلك تنهضُ اليوم ولا شيء سواه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.