ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

غربة مع الله

كثيرَا ما نقرأ القرآن الكريم أو حتى نداوم على استماعه ولكن مع قليل من التدبر، عندما نقوم بقراءة وردنا اليومي يتوجب علينا أن نحاول تدبر ما نقرأه حتى لو كان مُجمل ما خرجنا به من ورد ذلك اليوم آية واحدة فقط، إن القرآن الكريم هو دستور أمة هو درب من تاه أو كاد إن القرآن الكريم ربيع القلوب وفيه سُبل الرشاد.

أثناء قراءتي سورة العنكبوت استوقفتني الآية الثانية : “أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ “(2)حتى أنني كلما تجاوزت عنها عُدت إليها وكأنها تُخاطبني لأخاطب جزءً أصيل ممن يقرأون ما أكتب .

إن هذه الآية بمعناها البسيط وفي ذات الوقت العميق تشير إلى أن المؤمنين هم أشد الناس ابتلاءً، ففيها معنى الإنكار والاستفهام إن الله عز وجل لا بد وأن يبتلي عباده الصالحين بحسب درجة إيمانهم. والذي يعيش في هذا العصر يُعاصر الفتنة من أوسع أبوابها حتى أنه يتوجب علينا أن نفهم أن هذه الفتنة هي ضريبة جهاد النفس على المعاصي والبعد عن الترف حتى لا نقع ضمن دائرة من فُتِنوا ولم يكتب لهم الثبات، إن الجهاد له معانٍ أوسع من حمل البندقية لقتال عدوٍ فقط، الأولى من ذلك هو تزكية النفس وأن تعتاد أن تكون في معية الله وأن تعلنها أنا في غربة مع الله في كل شيء.

لقد فُتحت لنا أبواب التطور على أساس مفهوم العولمة، حيث نجد شباب يقوم بقضاء ليالي شبابهم وسط لهوٍ على لعبة إلكترونية أدت لمسح العقول بل سرقت طاقاتهم والتي كان من الواجب إفراغها لقتال العدو الحقيقي ولكنهم اكتفوا بقتل كل ما هو افتراضي، بل تعدت الفتنة اللهو إلى مخاطبة الرجل للمرأة بحجة المرح، لن أدخل في أتون نقاش جواز الحديث مع المرأة من عدمه فكل منا يعلم الضوابط لذلك. أما عن حال الفتيات حدث عن الفتنة ولا حرج نجد العولمة دخلت لهن من مدخل الخضوع بالقول حتى نجدهن وسط مواقع إلكترونية يَقُمن بمناقشة الشباب دون وَجل كأنها تناقش شقيقها! وعن تبرج الجاهلية الأولى حدث ولا حرج.

إذا كان الله جَل في علاه حذرنا من تلك الفتنة بل حذر الصالحين من تلك الفِتن لماذا نحن نُكابر ولا نسمي الأمور بمسمياتها؟! إن الحل حتى نتجاوز جزء من هذه الفتن ونعود إلى الله هو حاجتنا لنحيا في غربة مع الله نعم نكون وحدنا لا أحد يشاركنا عباداتنا وتقوانا، قد يأتي أحدهم ويشير لي ألا تكفي صلاتنا وصيامنا؟ أقول له أنتَ تصلي هذا أمرٌ مفروغ منه لأنه يتوجب عليك من خلال صلاتك أن تنهاك عن الفحشاء والمنكر.

إننا نحتاج إلى غربة مع الله في جُل أمور حياتنا نحتاج لأن نزكيها لأن تكون خالصة لوجه الله تعالى نحتاج إلى غربة مع الله في علمنا وعملنا، يجب أن لا تتعلم ليتألم غيرك من بعد تخرجك فتأخذ حقه في العمل الذي انتظره غيرك سنوات طويلة لأن فتنة المحسوبية أبعدتك عن غربتك مع الله.

إننا نحتاج لأن تكون الغربة مع الله عنوان صداقتنا يجب أن نبتعد عن صداقة المصلحة يجب أن تصدق مع من صادقت ابتعد عن الأنانية المفرطة فتتركه وحيدًا بعدما أخذت ما تريد منه.

إننا نحتاج إلى غربة مع الله على مستوى العائلة يجب الصبر على كل نقص يعتري هذه العائلة لأنها هي كمال الروح وكم من روح بعتريها النقص على الرغم من وجود كافة أفرادها وكأن الغياب عنوانهم أتعلم لماذا؟ لأن الكثير من العائلات وُجدت بناءً على مطلب الأعراف الاجتماعية ورغبة غيرهم في بنائها.

إن الغربة مع الله بمعناها الواسع مطلوبة في العمل على الرغم من كل الصعوبات والمتاهات يجب أن يكون الإخلاص عنوان الغربة حتى لو لم يتم تقديرك، نصيحتي ابتعد عن مُحاضرات التنمية البشرية التي تنادي بأن لا تكون شمعة تحرق نفسها لإنارة طريق الآخرين فإذا لم تكن مهمة الشمعة إعطاء النور فلماذا وُجدت؟ وما هي مهمتها؟! إن الإنسان يحتاج إلى غربة مع الله في بداية تكوينه لعائلته في زواجه وارتباطه، عليك الابتعاد عن البهرجة المُفرطة والكماليات وكل تقليد أعمى حتى تُزين صفحتك على موقع (الفيس بوك) مع افتقار روحك لتلك الزينة في الوقت الذي التقطت لنفسك صورة في أجمل الثياب مع خاتم الزفاف دون أدنى تنازل يُذكر.

نحتاج إلى غربة مع الله عند شراء حاجيّاتنا يجب أن نراجع أنفسنا هل نحتاج ما نقوم بشرائه أم أنها تلزمنا لإشباع جيوب من سوقوها لنا؟ إننا بحاجة إلى غربة مع الله في عمرةٍ أو في حجٍ نسعى إليه بكل ما أوتينا من قوة لا رهبة، أن تكون ضمن سلم أولوياتنا بدلاً من أن نذهب إليها من بعد انكسار عشناه لغيابنا عن الحياة مع الله. نحتاج إلى غُربة مع الله في قراءاتنا وتطوير ثقافتنا لا يكفي أن نلحق بركب الأُمم بقراءة الروايات التي قرأوا يجب أن نكون مميزين بقراءة تاريخنا وإنجازات أمتنا.

نحتاج إلى غربة مع الله في إحياء لغة القرآن التي طُمست أو كادت لأن هناك من زعم أن الحداثة والعالمية تكون بإسقاطها حيث جعلونا غريبون عنها لا توجد في المنهاج إلّا من أجل علامة النجاح في المساق فقط.

نحتاج إلى غربة مع الله في مأكلنا بحيث يكون ثلثاً لطعامنا وثلثًا لشرابنا والأخير لنفسنا، كذلك عن الحاجة للغربة مع الله في ثيابنا التي نرتدي كيف نقول إننا مع الله ونحن نعيش ثقافتهم في سفورهم. أما عن الغربة مع الله في أبنيتنا يجب أن نطرح على أنفسنا سؤالًا هل خصصنا مكانًا لنا ولعائلتنا حتى نكون غريبين عن هذا العالم من أجل تزكية أنفسنا على مدار خمس أوقات في اليوم؟ أم أننا سنؤدي العبادة في أي مكان في أي زمان في الوقت الذي يكون وقت العبادة التالية قد حان. إننا بحاجة لغربة تجعل أساس المسكن مكانًا للعبادة والتدبر مكانًا للقراءة والتوسل.

نحتاج إلى غربة مع الله في بر الوالدين أبنائهم وبذلك يكتسبون برهم بحيث لا يتلقوا وجوب بر آبائهم عنوة، غربة مع الله تؤدي بهم إلى تذكير أنفسهم بالجهاد لنصرة الدول المنكوبة والمقهورة. نحتاج إلى غربة مع الله حتى لا نكون كصاحب الجنة الذي أصبح يُقلب كفيّه على ما أنفق بعد فوات الأوان، نحتا إلى غربة مع الله عند قراءتنا الآية الأولى من سورة الإسراء بالقلب والجوارح لا باللسان فقط. كم نحتاج إلى تلك الغربة حتى لا نكون غريبين عن ذواتنا بصورة موحشة يعترينا المس والتخبط نحتاج إلى تلك الغربة حتى لا نكون وحيدين على الرغم من وجود العالم من حولنا في الوقت الذي لا حول لنا ولا قوة.

إننا نحتاج إلى تلك الغربة مع الله حتى نتمكن من تحديد فيما أقامنا الله فيظهر لنا بشكلٍ جليّ مقامنا عنده، حيث أننا إذا توصلنا لتلك الغربة مع الله فإن هذا يعني أننا نمكث وسط سكن ووطن نقيم به دون وَجَل أو كدر.

وأنهي بحثي في حياة عنوانها الغربة مع الله بما أشار له الغريب سيد قطب رحمه الله: القرآن هو مرشد الأمة الأمين فإذا ما استفتته الأمة على أعدائها أفتاها، وإذا استنصحته في أمرهم نصح لها، وإذا ما استرشدت لها أرشدها. لو ظلت هذه الأمه تستشير قرآنها وتسمع توجيهاته، وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام. والجاهلية ليست فترة تاريخية أنما حالة توجد كلما وجدت مقوّماتها في وضع أو نظام..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.