إشراقات سياسيةمن الذاكرة

في الذكرى التسعين لثورة البراق

توافق هذه الأيام الذكرى السنوية التسعين لثورة البراق (23/8/1929م – 29/8/1929م) التي كانت محطة مفصلية في التاريخ الفلسطيني، سنستعرض في هذه المقالة أبرز أحداث الثورة، كما سنناقش تداعياتها وأهميتها في تشكيل الوعي المقاوم الفلسطيني.

لمحة تاريخية

حائط البراق هو السور الغربي للمسجد الأقصى، ومنذ بداية العهد العثماني قبل خمسمئة عام بدأ اليهود بالحج إليه والوقوف عنده والبكاء على الهيكل المهدوم، حيث كان يمنع دخول غير المسلمين للأقصى وأطلق اليهود تسمية حائط المبكى على البراق، إلا أنه لم يسمح لهم باستحداث أي منشآت عند الحائط.

بعد الاحتلال البريطاني لفلسطين بدأ الصهاينة يطالبون بحقهم المزعوم في حائط البراق (المبكى)، وبرزت هذه الأطماع إلى الواجهة في 15/8/1929م عندما نظم اتباع جابوتنسكي مسيرة في القدس ورددوا هتافات مثل “كوتيل كوتيلنو” – وتعني “حائط المبكى حائطنا”، كما رددوا شتائم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في مناسبة “ذكرى خراب الهيكل”.

وللعلم كانت هذه المناسبة حاضرة في أكثر من محطة لاحقًا: مثل مجزرة المسجد الأقصى عام 1990م، وزيارة شارون التي فجرت انتفاضة الأقصى، وآخرها كان الاعتداء على المصلين في عيد الأضحى هذا العام. جابوتنسكي هو الأب الروحي لليمين الصهيوني، ومؤسس حزب حيروت (الليكود) كما أسس بيتار وهي منظمة شبه عسكرية متأثرًا بشبيبة النازية التي أسسها هتلر، وكانت منظمة بيتار هي رأس حربة جابوتنسكي في القدس والمظاهرات المطالبة بالاستيلاء على حائط البراق. وما زال مشجعو فريق “بيتار أورشاليم” لكرة القدم، وهو امتداد لمنظمة بيتار، يشتمون الرسول والعرب في هتافاتهم وألفوا أغنية عنوانها “محمد مات”.

كان هنالك تجمعات أنشأها يهود الأندلس في الخليل وطبريا وصفد والقدس بعد طردهم من إسبانيا قبل خمسمائة عام، بالإضافة لقدوم يهود أوروبا إلى القدس والإقامة فيها منذ بداية العهد العثماني، وكانوا جزءًا من النسيج الاجتماعي الفلسطيني.

مع بدء الهجرة اليهودية التي ترعاها الحركة الصهيونية أواخر القرن التاسع عشر وازديادها بشكل كبير بعد الاحتلال البريطاني، بدأت مقاومة الفلسطينيين للمشروع الصهيوني لكن كان هنالك بعض أشكال العلاقة مع اليهود كأحد مكونات المجتمع الفلسطيني. أبرزت المطالب العلنية التي رفعها جابوتنسكي ومنظمة بيتار الخطر الديني للمشروع الصهيوني، وأحس الفلسطينيون بعمق وخطورة المشروع الصهيوني، خاصة أن أنصار جابوتنسكي كانوا يستخدمون العنف المفرط في مسيراتهم.

أحداث ثورة البراق

بعد مسيرة أنصار جابوتنسكي خرجت مسيرة من الأقصى في 16/8/1929م وقام الشبان بإتلاف طاولات وأدوات للصلاة وضعها المستوطنون عند حائط البراق، وتوالت بعدها اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في القدس مما أدى لإطلاق دعوات للتوجه إلى الأقصى يوم الجمعة 23/8/1929م من أجل حمايته من اعتداءات الصهاينة ، واستجاب للدعوة المئات من القرى المحيطة بالقدس، واندلعت بعد الصلاة مواجهات عنيفة في البلدة القديمة امتدت إلى كافة أنحاء المدينة.

في اليوم التالي توجهت حافلات من مدينة الخليل لدعم الفلسطينيين في القدس، وكان هنالك مجموعة من الشبان الذين لم يتح لهم التوجه إلى القدس، قرروا مهاجمة الحي اليهودي في المدينة، حيث كان يعيش حوالي 400 يهودي نصفهم من يهود الأندلس الذين عاشوا لمئات السنين في المدينة واندمجوا مع أهلها، والنصف الآخر من المستوطنين الذين أحضرتهم الحركة الصهيونية.

كان هدف الشبان مدرسة دينية أنشأها المستوطنون إلا أنه وفق الرواية الصهيونية “فقد رفض حاخام المدينة السفاردي التفريق بين دماء اليهود” ورفض تسليمهم المستوطنين وعندها وقعت ما سميت مجزرة اليهود التي قتل فيها حوالي 65 يهوديًا غالبيتهم من المستوطنين، وتم إجلاء جميع اليهود من مدينة الخليل.

وانتشرت المواجهات إلى مناطق أخرى حيث هوجم الحي اليهودي في صفد وقتل حوالي عشرين بتاريخ 29/8/1929م، إلا أنه لم يتم إجلاؤهم، فيما تم إجلاء تجمعات صغيرة كانت تعيش في مدن غزة وجنين وطولكرم ونابلس، وتم تهجير مستوطنات في محيط القدس مثل مستوطنات قلنديا (عطروت) وعصيون ورمات راحيل وحرتوف والنبي يعقوب، بالإضافة لذلك اندلعت مواجهات عنيفة في يافا وحيفا.

بلغ مجموع القتلى الصهاينة في كافة المناطق 133 فيما استشهد 116 فلسطيني غالبيتهم برصاص القوات البريطانية، واعتقل المئات من الفلسطينيين وحكم على 26 منهم بالإعدام ونفذ في ثلاثة منهم، وهم محمد جمجوم وعطا الزير من الخليل، وفؤاد حجازي من صفد، فيما خفضت أحكام الأعدام الأخرى إلى السجن المؤبد.

أعاد الاحتلال البريطاني في عام 1930م المستوطنين إلى بعض المناطق التي طردوا منها مثل الخليل ومستوطنات عصيون وقلنديا وعصيون، إلا أنه مع اندلاع ثورة 1936م طردوا مجددًا.

تداعيات ثورة البراق

أدرك الفلسطينيون أن مجرد الاحتجاج والاعتراض لدى سلطات الاحتلال البريطاني لن توقف التمدد الصهيوني في فلسطين، وأن البريطانيون شركاء المشروع الصهيوني وليس طرفًا محايدًا، وهذا ما أكد عليه لاحقًا الشهيد عز الدين القسام، ولهذا كانت ثورة 1936م موجهة ضد الاحتلال البريطاني بالدرجة الأولى.

كانت ثورة البراق عفوية وغير مخطط لها إلا أنها كانت بداية الاهتمام بالمقاومة المسلحة، وهكذا أنشأ القسام الخلايا العسكرية الأولى ابتداءً من عام 1930م وصولًا إلى استشهاده في أحراش يعبد عام 1935م، ثم الثورة الكبرى من 1936م إلى 1939م.

كما أدت ثورة البراق إلى المفاصلة بين اليهود والفلسطينيين ولم يعد هنالك قبول بالبؤر اليهودية في المناطق الفلسطينية، حتى لو كان وجودها قديمًا قبل الهجمة الصهيونية، فالاستقطاب بلغ أوجه واختارت الغالبية الساحقة من اليهود الاصطفاف مع المشروع الصهيوني.

أدت الهجمات على التجمعات اليهودية وطرد المستوطنين من مناطق كثيرة إلى تجمعهم وتكتلهم في المناطق التي يشكلون فيها أغلبية، وهي ذات المناطق التي يوجد فيها الثقل السكاني اليهودي الأكبر حتى يومنا هذا؛ تل أبيب الكبرى وحيفا والمنطقة الساحلية بينهما بالإضافة للقدس الغربية (يعيش اليوم في هذه المناطق التي تشكل ربع مساحة فلسطين حوالي ثلاثة أرباع اليهود).

من الصعب الجزم بتطور الأحداث بدون ثورة البراق لكن يمكن القول بأن عدم السماح للمستوطنين بالانتشار في كافة مناطق فلسطين وحشرهم في مناطق جغرافية ضيقة أنقذ الكثير من المناطق من التهجير في النكبة عام 1948م، فقد ساهم يهود صفد وطبريا بتهجير منطقة الجليل الشرقي، وربما تكرر نفس الشيء في الخليل لو لم يتم تهجير اليهود منها في ثورة البراق.

على سبيل المثال أيضًا كانت مستوطنة قلنديا منطلقًا لعدة هجمات في بداية حرب عام 1948م لكن الوجود السكاني الضعيف نتيجة كثرة الهجمات ساعد في سقوطها في شهر أيار عام 1948م. في الختام: اندلعت ثورة البراق ردًا على أطماع الصهاينة في المسجد الأقصى، وما زال المسجد في مركز الصراع مع الاحتلال الصهيوني حتى يومنا هذا. كانت ثورة البراق محطة هامة في تشكيل الوعي الفلسطيني بأهمية حمل السلاح لمواجهة المشروع الصهيوني، كما استطاعت حصر التمدد الصهيوني في المناطق الساحلية وهذا أهم إنجازاتها حسب رأيي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق