ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ربع العمر..أزمة و فرصة!

 

كثيراً ما نسمع أثناء تصفحنا لمواقع التواصل الاجتماعي، أو نشاهد عند جلوسنا أمام شاشة التلفاز برامجاً تناقش “أزمة منتصف العمر”، كيف تُحسن المرور منها وكيف نحولها لمنحة لا محنة، وكثيراً أيضاً ما يُفرد إعلامنا العربي مساحة واسعة للحديث عن فترة “المراهقة والطفولة”، باعتبار أن هاتان الفئتان العمريتان هما أكثر الفئات التي تمر بتغيرات مختلفة منها النفسي والجسدي، لكن بين هذه وتلك، تنشأ أزمة أخرى لا تُذكر كثيراً إنها “أزمة ربع العمر”.

أثناء جلوسنا مع أصدقائنا لابد أن نسمع منهم كلمات “متشائمة وضبابية” كقوله: لا أدري إن كنت أسير في الطريق الذي أريده، ولا أعلم ما هو مستقبلي، ويُكمل حديثه أنا فاشل، لم أُنجز طيلة حياتي شيئاً أفتخر به! وقد تبادله أنت عزيزي القارىء هذه الأفكار، وهو ما يعني أنك أيضاً مصاب بهذه الأزمة، أو تبادر لاتهام صديقك أنه حساس ويُحسن أن يحول لقاءكما إلى “نكد”، فأنت تظن أن للعمر بقية، ومازالت هنالك فرص آتية، لكن هذا لا يعني أنك لن تصاب بهذه الأزمة فللعمر بقية أيضاً!

هذه الأفكار هي ما أطلق عليه علماء النفس “بأزمة ربع العمر”وهي  أزمة تظهر بين عمر 20-30 عاماً، أي الفترة التي تشمل الحياة الجامعية والانتقال إلى الحياة المهنية، الفترة التي تشمل تكوين العلاقات الشخصية، وبناء المستقبل، أوليس الحاضر يعطينا لمحة عن المستقبل، إذاً كيف لا يمر الشباب في أزمتهم وحياتهم كلها أزمات فبين صراع الذات الموجود منذ الأزل، وصراعهم مع البيئة المحيطة التي تفرض عليهم خيارات محدودة، الدراسة فالعمل يليهما الزواج، هذه المنظومة تشمل لحظات خيبة بلا شك، لحظات ليست عابرة،  لحظات لا تختفي بزوال الضغط المادي والمعنوي، لحظات تنبؤك بوجود معضلة.

فخلال هذه السنوات، وفي أوج النشاط قد تداهمك مشاعر وأفكار التيه، لا أنتمي لهذا التخصص، كان عليَ أن أفكر ملياً، هذا العمل لا يناسبني لقد حاربت الكثير لأصل إلى هذا الاستقرار المادي، لكني لم أشعر بالاستقرار النفسي. كان عليَ أن أتريث قبل اتخاذ قرار الزواج، مازال الوقت باكراً، ويدوم سيل أفكار لا تنتهي.

القلق، والتشتت، الشعور بأنك قد التصقت أو ألصقت بمكانك، لا تشعر بالرضا عن ذاتك وما حصدته، الرغبة في الوصول إلى درجات أعلى مما أنت عليه، هذه بعض أعراض الإصابة بالأزمة، أما العارض الأكثر انتشاراً والأكثر خطراً هو مقارنة إنجازاتك مع أقرانك ممن سبقوك في الدراسة او التحصيل العلمي، أو حتى مقارنة نفسك مع من يكبرونك أعواماً، فأنت تريد امتلاك الخبرات والمعرفة وتجارب الغير ونجاحاتهم، يزداد الأمر سوءاً مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي فأثناء جلوسك مشتت الأفكار والمشاعر تداهمك أخبار أنشطة أصدقائك، فذاك بدأ العمل بالشركة تلك يُرفق الخبر مع ابتسامة تُظهر سعادته بإنجازه، وذاك غادر البلاد ليكمل تعليمه أو ليبدأ خوض غمار العمل في الغربة.

إذا كان هذا حالك عند تصفحك لمواقع التواصل الاجتماعي، أي أنك تتأثر بما تتابعه على صفحات الآخرين، فمن الأفضل لك أن تنعزل بضعة أيام تعيد ترتيب ورقات ربع العمر وربيعه، لأن الخروج من هذه الأزمة يبدأ أولا بمعرفة الذات، والتأكد من المسار الذي تريده، ومعرفة الذات قد تتطلب أحياناً أن نتخذ قرارات ليست ملائمة، وفي الواقع لم نكن لنعلم أن هذا غير ملائم إلا بالتجربة، وإن كانت هذه التجربة مريرة بعض الشيء. أما الخطوة التالية: أي التغيير فإنه  لا يأتي إلا  بالشجاعة الكافية لإقناع نفسك ومن حولك أن ربيع العمر مرن وقابل للتعديل والتغيير بما يلاؤمك، في سبيل إنقاذ العمر كله.

والتغيير يتطلب الخروج من “منطقة الراحة”، وهي المنطقة التي اعتدت أن تشعر فيها بأمان، فمنطقة الراحة هذه قد تكون هي السبب في عدم راحتك أيضاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.