ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

المثقف بين الريادية المفترضة ووظيفية الدور

 

تعكس ثقافة أمة من الأمم الأبعاد المعرفية والتصورية والقيمية التي تتمثلها، فضلا عن السلوكية التي تمارسها. وتشكل الثقافة إطارا واسعا ينضوي تحت لوائه مجموعات كبيرة من الناس يشتركون في سمتهم العام، وأنماط عيشهم، والطريقة التي يتفاعلون بها مع تيار الحياة المتدفق، وحوادثها المتوالية.

من جهة أخرى، هناك ثقافات متعددة تتمايز عن بعضها البعض، نظرا لاختلاف المصادر والمقومات والظروف التي تُنتج المعارف والتصورات والقيم. تمثل الثقافة في الأساس حالة جمعية لا فردية، وتكتسب قيمتها من خلال ما تحمله من هم مشترك ورسالة مجتمعية عامة.

المثقف هو حالة فردية تتمثل الظاهرة الثقافية العامة لأمة ما، وتعبر عنها على الوجه الأغلب، وقلما تتجاوزها.

وإذا أريد البحث في إمكانات المثقف وأدواره ورسالته المنتظرة فينبغي أن لا يتم ذلك بمعزل عن البيئة التي هو ابن لها؛ وهذا يقتضي أن لا ننتظر أدوارا ريادية للمثقف الذي نشأ في بيئة تتسم بالتراجع، أو متأخرة عن مسيرة البشر.

ذلك أن الريادية لها اشتراطاتها ومقوماتها اللازمة، وإذا كان التميز الفردي أحدها، فهو لا يكفي وحده لجعل أصحابه روادا، وإذا كانت المقومات الأخرى للريادة ذات صلة بظروف النشأة في المقام الأول، وهي غير إيجابية ولا تسر في مثل حالتنا، فإنه لا يمكن عندها لفاقد الشيء أن يعطيه؟ من هنا، فإن القول بتميز المثقف ينطوي على وهم غير مبرر، وتشخيص في غير محله، ويدفع بالتالي لتوقع حدوث التغيير من غير مظانه الصحيحة. الأمر الذي يستدعي ربط الموقف الذي يعلي من شأن المثقف بقرائن شرطية أولا، فالأمة المنهزمة لن ينتج عنها مثقفين متميزين، والمجموع المتخلف لن ينجب روادا نجباء.

أما الاعتقاد بأن المثقف قادر على تجاوز القيود والمحددات التي تواجه الأمة التي ينتمي إليها، فيتضمن قدرا من المبالغة التي تشكل مدخلا لإضفاء صفات على المثقف لا يستحقها، فيتشبع الخيال العام بمكانة موهومة للمثقف، والتي تشكل بدورها مدخلا لتوثينه.

في المقابل، ثمة استثناءات معتبرة يتمثلها آحاد أفراد قليلون تتفوق لديهم المزايا الشخصية على محددات وقيود البيئة التي نشؤوا فيها، وهؤلاء يمكن أن يصنعوا فارقا نسبيا في مسيرة الأمم عبر تآزر الأفعال، ومراكمة التجربة، وتوالي الزمن، ولكنهم من القلة والندرة والتباعد ما يجعل من مهمتهم أكثر عسرا، ومثل هؤلاء يستحقون لقبا آخر غير لقب المثقف الذي لا يكفي للتعبير عن حالهم، فهم رواد أو مصلحون أو جهابذة، وهي ألقاب دونها أعناق الكثرة الكاثرة ممن نعتبرهم مثقفين.

ثمة مدخلين بارزين يمكن من خلالهما الإطلالة على أدوار المثقف، واكتشاف مدى فاعلية ما يمكنه القيام به تجاه نهضة أمتنا من كبوتها.

أولا: علاقة المثقف بالسلطة السياسية، وهي علاقة تساعد على تقييم أدوار المثقف واستكشاف الاتجاه الذي تصب فيه أفعاله. من الملاحظ أن علاقة كهذه تقوم على أساس تبعية الأول للثانية إجمالا، فالمثقف يخدم أغراض الساسة أكثر من الوقوف في وجه سياساتهم، وهذا يعني أن السياسي يؤثر في المثقف أكثر من تأثير المثقف في الحالة السياسية، وفي النتيجة، يوفر المثقف غطاء لسياساتها بدلا من أن يكون أداة رقابة وتصحيح فاعلة في مواجهتها.

وإذا علمنا أن المستوى السياسي في أمتنا هو المسؤول الأول والسبب المباشر في تعثرها، أدركنا عندها حجم المفارقة بين فعال المثقف وبين الدور المطلوب منه القيام به. وفي ضوء ذلك، يتبين أنه لا يوجد في بيئتنا العربية حالة ثقافية ذات شخصية اعتبارية منفصلة عن هيمنة المسار السياسي، وهو الأمر الذي يجعل من إعادة تعريف مفهوم المثقف مطلوبا بشدة، لأن المثقف المتصالح مع الواقع السياسي السيء لم يعد جديرا بحمل اللقب.

ثانيا: علاقة المثقف بالإرث الثقافي والحضاري لأمته، فكثير من المثقفين لا يعكسون الإطار الثقافي للأمة التي ينتمون إليها، بل ومتصادمون مع الحالة الثقافية الجدير بهم تمثيلها، وقد أبنت أعلاه بأن المثقف الفرد يصدر عن ثقافة أمته الجامعة، وفي حالتنا العربية والإسلامية نجد كثيرا من المثقفين يصدرون عن مقدمات ثقافية وافدة، وتتصادم مع جوهر ثقافتنا العربية والإسلامية، فكيف لمثقف كهذا أن يخدم قضايا أمته، أو أن يكون فاعلا في الأخذ بيدها نحو المكان الذي تستحقه؟  إن كثيرا من مثقفينا اليوم مصابون بفصام في شخصياتهم، بحكم التباين بين منطلقاتهم الثقافية وبين البيئة التي ينتمون إليها، ويتيعن على هؤلاء معالجة هذا الفصام بصورة جذرية قبل أن يصبحوا قادرين على القيام بأدوار إيجابية تجاه أمتهم، وإلا فإنهم سيظلون عبئا عليها ورافدا مهما للحواجز التي تحول بينها وبين نهضتها، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.

 

انتهى

21/8/2019

د.عبدالسلام معلا

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.