ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عشرةُ أربعةٍ حُرُم وأعمال مُستحبة

أيام وشهور تجري مُشَكِلةً حقيقة أعمارنا ، وخزائن أعمالنا ، لكن حقائقها وجذورها الكونية لا ندرك كنهها إلا بما كَشف لنا الوحي من حُجب وتفاضل بينها ، وهي شهور بعدتها ثابتة منذ خلقِ السموات والأرض (إنَّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حُرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) فلقد فضل الله بعض الأزمنة على بعض لعلة يعلمها ، فكانت السنة اثنا عشر شهرا يوم خَلق السموات والأرض ثم اختص من بينها أربعة لتكون حُرُما ،

ثم قال ( فلا تظلموا فيهن أنفسكم ) وإن كان الظلم محرم في كل وقت وحين فإن الظلم في هذه الأشهر أشد تحريما ، فكما أن الحسنات تتضاعف باختلاف الأماكن والأزمنة ، كمضاعفة الأجر في المسجد الأقصى و رمضان ، فإنَّ السيئات تتضاعف حسب المكان والزمان ، والنبي عليه الصلاة والسلام يُبين لنا هذه الأشهر الحُرم فيقول ( إنَّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، السنة اثنا عشر شهرا ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان) وقوله (رجب مُضر) أي أنّ النبي عليه السلام ينتصر للحق الذي تعتمده قبيلة مضر في تحديدها لشهر رجب من بين الأشهر ،

فهذه أشهر لها خصيصة على بقية أشهر السنة عند الخالق جل وعلا لقد قدَّمتُ لمقالي بهذه المُقدمة ، ذلك أننا نعيش شهرا من الأشهر الحُرُم، بل يمتاز على غيره بفريضة رُكنية لها جذورها المتأصلة في أعماق التاريخ وبالقدوات العظيمة ( إنَّ إبراهيم كان أمَّة) ولها دلالاتها ورموزها التي تمثل قوانين النهوض الحضاري للإنسانية ، بل نعيش في عُشاريتِه الأخصِ والأميز والتي أقسم الله بها فقال ( والفجر وليالٍ عشر والشفع والوتر ) قَسَمٌ مقرون بالفجر ثم بإهلاك الطغاة المفسدين في الأرض ،

لتتربع عشرةُ أربعةِ حرم على أيام السنة كلها ، ليكون العمل الصالح فيها أحب الى الله تعالى من سواها ، والمغبون هو الذي لا يعرف قدر الزمان الذي يعيش فيه ومن رحمة الله وكرمه أن جعل هذه الأيام العظيمة لا يقصر فضلها على السائرين الى بيت الله الحرام دون القاعدين كأمثالنا ، بل شملت كلاهما ، لتكون ميدان مسارعة ومسابقة ومنافسة لأولي العزم من أهل الإيمان في كل أماكن تواجدهم ،

فيقول النبي عليه الصلاة والسلام ( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب الى الله من هذه الأيام (يعني أيام العشر) ، قالوا يا رسول الله : ولا الجهاد في سبيل الله ، قال ولا الجهاد في سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري ، والصحابة الكرام يدركون قيمة الجهاد في سبيل الله وأنه ذروة سنام الإسلام ، ولذا قالوا ولا الجهاد في سبيل الله ؟! فقال : ولا الجهاد في سبيل الله مستثنياً صورة واحدة من صورهِ تسبق في الأفضليةِ العمل الصالح في العشر ، ثم يخطر في خلد المرء ، كيف إذا جعلت هذه الصورة الجهادية المستثناة في العشر من ذي الحجة !!! ؟

والأعمال الصالحة المستحبة في هذه العشر لا حصر لها وهي أيام تجتمع فيها أمهات العبادات ما لا تجتمع في غيرها،

والنبي عليه الصلاة والسلام قال( ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) فجعل الأعمال المستحبة على إطلاقها طالما أنها موصوفة بالصالحة ، وحتى يكون العمل صالحا لا بد أن نُخلِص فيه النية وأن يكون على نهج وسنة سيدِ البشرية عليه الصلاة والسلام ، لكن لا بد أن نُخصص في هذا المقال بعض الأعمال الصالحة المُستحبة ولعل أبرزها :

الصوم وهي العبادة العظيمة التي اختصها الله لنفسه فقال كما في الحديث القدسي ( الصوم لي وأنا أجزي به) وقال عليه الصلاة والسلام (من صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا) متفق عليه ، وخاصة صيام اليوم التاسع من ذي الحجة فهو تاسعٌ لا مثيلَ له يكفر سنة ماضية وقابلة وفيه يئِس الكفار و اكتمَل الدين !

ثم الإكثار من ذكر الله تعالى ، ففي القرآن آية تنص على أفضلية الذكر في هذه الأيام (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) والأيام المعلومات هي هذه الأيام العشر ، وقد حض عليها رسول الله فقال (فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد ) وهي عبادة سهلة على من سهلها الله عليه ، ولها في المقابل أجر عظيم بفضل الله وكرمه ، يتمثل المسلمُ فيها وصية النبي عليه السلام (لا يزال لسانك رطبا بذكر الله) لعلنا نذكر الله بأحوالنا لا بألسنتنا فحسب !. ، وفي الحديث القدسي المتفق عليه (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) ومن الذكر التكبيرُ كتكبيرات العيد تكبيرا مُطلقا في كل أيام العشر،

وكان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران فيكبر الناس بتكبيرهما وأيضا فمن الأعمال الصالحة قيام الليل وقد قال جبريل عليه السلام لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام (شرف المؤمن قيامه الليل) والله عز وجل يقول في الثلث الأخير من الليل (من يدعوني فأستجيب له ….)،

وقراءة القرآن وزيارة الأرحام والتصدق وحسن القول والمعاملة مع الناس وغيرها الكثير مع تجديد التوبة لله تعالى ثم ختامها بشعيرة الأضحية لقوله تعالى (فصل لربك وانحر) وهي شعيرة تؤدى بعد صلاة العيد لا قبلها إلى عصر اليوم الرابع من أيام العيد ، ورُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام مكث في المدينةعشر سنيين يُضحي في كل عام ، وصح عنه ( ما عمل ابن ادم يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم وإنه ليؤتى يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض فطيبوا بها نفسا)

وأخيرا فإن موسم الربح الوفير شرَّع أبوابه ، ينادي أهلَ الإيمان وأصحاب الهمم أن هلموا ، ففي الحياة الدنيا فرص قد لا يدرك المرء لها عوضا ، يَلِجُها من أراد الآخرة وسعى لها سعيها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.