ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

التطبيع جريمة سياسية وأخلاقية

 

بعد عقود ممتدة من الرفض الشعبي والرسمي العربي لوجود الاحتلال الإسرائيلي والتعايش معه، أحدثت بعض الأنظمة العربية بما فيها النظام الفلسطيني خرقا كبيرا في جدار الرفض الصارم عبر التوقيع على ما عرف باتفاقيات السلام مع الاحتلال الإسرائيلي. ونتيجة ذلك، فقد تم التأسيس لحالة من الافتراق بين الموقفين الرسمي والشعبي تجاه الاحتلال الإسرائيلي، ففي الوقت الذي يحاول فيه الموقف الرسمي التصالح مع الاحتلال وتطبيع العلاقات معه، يصر الموقف الشعبي على رفض ذلك بقوة، ومع مرور أربعة عقود على أول اتفاق سلام مع الكيان الاحتلالي الإسرائيلي، تتسارع حركة التطبيع الرسمية العربية بصورة ملفتة، في الوقت الذي تزايد فيه تغول الاحتلال الإسرائيلي على الإنسان والأرض الفلسطينية.

من المهم إدراك معاني التطبيع والوقوف على دلالاته وفحواه، وما إذا كان يعني إزالة متبادلة للمواقف الحدية لطرفي الصراع تجاه بعضهما البعض، وتراجعا متكافئا عن روايتيهما له وصولا لحالة تحقق الحدود المعقولة لمطالب كل طرف، أم أن التطبيع يخدم طرفا على حساب رواية وحقوق ووجود الطرف الآخر.

يسعى التطبيع لجعل حالة الاحتلال الشاذة أمرا طبيعيا بدلا عن إزالته جذريا، وبذلك يتم تبييض وجه الكيان الإسرائيلي الذي يغتصب الأرض ويقهر أهلها، ويندرج ذلك في سياق التنازل الطوعي عن الرواية الفلسطينية للصراع، والقبول بالرواية التي يتبناها الاحتلال. إن تطورا كهذا لا يساعد على إنهاء الصراع إلا من منظور المطبعين الذين فقدوا طاقتهم الدافعة على مواجهة العدوان، بينما يوفر التطبيع للاحتلال أوراقا جديدة يوظفها في حركة الصراع المتطاول، وفي الأثناء يخسر الشعب الفلسطيني الكثير من عوامل القوة والصمود المادية والمعنوية التي يحتاجها بفعل التطبيع المشؤوم.

من الواضح أن التطبيع لا يؤدي إلى دفع المحتل لتغيير سياساته، وتبديل أهدافه الاستراتيجية كما هو حال المطبعين، بل يمنحه فرصة مناسبة لتصعيد الصراع وترقيته مراحل أخرى، بطريقة تؤكد على أن مفاعيل التطبيع ومكاسبه تذهب باتجاه الاحتلال الإسرائيلي فقط، وهنا تحديدا تظهر مساؤيء التطبيع كأوضح ما تكون.

إن الاختلال في العلاقة بين طرفي الصراع وشكل توجهاتهما الناتجة عن التطبيع، سينعكس على شكل تغول إحتلالي تجاه الأرض والإنسان الفلسطيني. يمثل ما يجري اليوم في وادي الحمص في القدس المحتلة أبرز تجسيد لذلك، فبالتزامن مع وصول وفد تطبيعي عربي للأراضي الفلسطينية المحتلة تباشر حكومة الإحتلال هدم مئات المباني والمساكن الفلسطينية، وما كان لمثل هذا التمادي أن يتم بمعزل عن دلالات التطبيع وما يوفره للمحتل من قوة دافعة في مواجهة الحق الفلسطيني، فالتطبيع لا يعني فقط القبول بوجود الاحتلال، بل إضفاء الشرعية على ممارساته الظالمة التي لا تتوقف بحق الشعب الفلسطيني.

لا يبدو المطبع مخذلا ومتنازلا عن دوره في مواجهة المحتل فحسب، بل يؤكد ذلك على أنه قاصر عن إدراك طبيعة المعركة بأبعادها الواسعة، ولذلك تستحيل حركة التطبيع إلى أداة تخدم مشروع الإحتلال من حيث يدرك المطبعون أو لا يدركون. يؤكد كل ما سبق على أن التطبيع يعتبر جريمة أخلاقية وسياسية ينبغي مواجهتها وعدم إفساح المجال لها لتأخذ مداها على المستويات الرسمية والشعبية، وبذلك يتم نزع يد المحتل عن أوراق قوة يحتاجها في مواجهة الحق الفلسطيني، ويفوت عليه فرصة جني المكاسب التي يسديها التطبيع له تباعا.

يجدر الانتباه إلى أنه لا يمكن قراءة حالة التطبيع العربية المتسارعة بمعزل عن ما بات يعرف بصفقة القرن، تلك التي تعكس التصور الأمريكي (للسلام) في المنطقة، والتي تركز في المقام الأول على صناعة حل عربي إسرائيلي فيما يكون الموقع الفلسطيني في رؤية السلام تلك ثانويا، وهو تأكيد آخر على الانحياز للمنظور الإسرائيل للصراع وكيفية حله أيضا. وهكذا يتضح أن كلا من صفقة القرن والتطبيع يتقدمان بالتوازي ، ويسلمان بالواقع الاحتلالي كما هو على الأرض من جهة، ويهدفان لتوجيه ضربة نهائية وقاضية للقضية الفلسطينية من جهة أخرى، فهل ستنجح هذه المساعي، أم سيؤدي ذلك إلى تدشين مرحلة جديدة من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.