ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

صفقة القرن بين السياسة والاقتصاد

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ” ترامب ” الجدل منذ أن تولى الرئاسة عام 2016م، بل سبق ذلك من خلال الدعاية الانتخابية الصاخبة التي خاضها أمام المرشح الديمقراطي “هيلاري كلنتون”. لقد اشتهر ترامب منذ عشرات السنين ومن خلال ممارسته لشؤون حياته الشخصية، ومهاراته الاقتصادية بغرابة طبعه في كلّ حيثياته الصغيرة والكبيرة، وعرف عنه الغرور والتحدي والثقة الزائدة بالنفس.

لم يرغب هذا الرئيس منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض أن يكون رئيساً تقليدياً لا على مستوى السلوك اليومي للرئيس، ولا على مستوى السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وهذا طبعاً لا يجعله بعيداً عن الخطوط العامة للسياسة الأمريكية الإمبريالية.

ملف القضية الفلسطينية وإيجاد حلول تعفي الاحتلال من مسؤولياته تجاه الفلسطينيين كان هدفاً أساساً لترامب، وذلك بالنظر لعوامل عدّة منها، فكره الصهيوني كونه من المسيحيين الأنجليكان الذين يتبنون الرواية الصهيونية الكاملة في الصراع، بل ويقدمون الدعم المادي والسياسي منذ ما يقرب من نصف قرن من للدولة العبرية، الأمر الثاني هو ما يسعى له كل رئيس أمريكي من قبض ثمن دعم اللوبي الصهيوني الأمريكي المادي والمعنوي في الانتخابات وخاصةً الرئاسية منها، كما أنّ مصاهرته “لكوشنر” اليهودي زاد قربه من اليهود، والتي تؤثر على سلوكه بشكل يومي فيما يخص القضية الفلسطينية وما يتعلق بها.

أراد الرئيس ترامب أن يقدم هدية لم يسبقه إليها أحد من الرؤساء الأمريكان، حيث عرض وجهة نظره في قواعد الصراع الأساسية بين الفلسطينيين والعرب عامة وبين دولة الاحتلال، حتى وإن خالف في ذلك القرارات الأممية الصادرة لصالح الحق الفلسطيني، وكان أول هذه الأمور هو وقف دعم الأونروا التي تقدم العون لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وهو بذلك يمهد لإلغاء فكرة حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين لا يعترف بهم، وبعد ذلك أقدم على نقل السفارة الأمريكية إلى شرقي القدس المحتلة واعترف بها عاصمة موحدة لدولة الاحتلال، إضافة لنظرته التوافقية مع حكومة الاحتلال فيما يخص ضمّ الجزء الأكبر من الضفة الغربية والتي تصنف مناطق ” C “.

لم يبقِ ترامب من قضايا الحل النهائي التي تمّ تأجيلها للمفاوضات النهائية سوى قضية الحدود والتي أصبحت أكثر وضوحا بعد أن يتم ضم الضفة والقدس، وأخيراً قضية الأسرى وهي لن تكون القضية الأعقد في نهاية أي حلّ.

أرادت الإدارة الأمريكية أن تحشد الدعم العربي للموافقة على ” صفقتها ” التي تمّ تنفيذ جزء مهم منها تحت مسمى ” صفقة القرن “، وبذلك واستمراراً لإنفاذ الرؤية الأمريكية المتوافقة مع الاحتلال، وإمعاناً في تنفيذ هذه الخطة السياسية الخطيرة، كان لا بدّ من إشراك الأنظمة العربية للضغط على الفلسطينيين أولاً، الذين رفضوا وبكل مشاربهم هذه الخطة، ولضبط شعوبهم وإقناعها وهي التي تعشق فلسطين وضحت من أجلها خلال مسيرة النضال الطويلة، وحتى لا يتهموا بالتقصير أمام هذه الشعوب.

لقد اختارت إدارة ترامب أن تَنْفذ لتطبيق هذه الخطة من خلال المدخل الاقتصادي والدعم المالي الكبير، ليكون الحل من جهة الفلسطينيين والعرب حلّاً اقتصادياً يفي بمتطلبات عيش المواطن الفلسطيني، بشرط أن يتم التنازل عن المرتكزات السياسية الوطنية الأساسية للقضية الفلسطينية، في حين تكون الصفقة قد أهدرت الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني بلباس المال والاقتصاد.

ولتشجيع الدول العربية والسلطة الفلسطينية سيتم ضخ مليارات الدولارات تقسم بين الفلسطينيين وبعض الدول العربية الشريكة والمساهمة في تطبيق الصفقة، ليكون بعد ذلك “الإعلان النهائي” بشطب الصراع دون إرجاع الحقوق.

من هنا ولمّا أعلن الفلسطينيون عن عدم قبولهم ومشاركتهم في مؤتمر التصفية في البحرين، كانت التصريحات أنّ التطبيق اختياري ولا يكون إلاّ بموافقة الأطراف، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجزء المهم من ” صفقة القرن ” جارٍ على قدم وساق على الأرض وبرضى أنظمة عربية تطبع مع الاحتلال وترى أنّ الأولوية لم تعد فلسطين وهناك ما هو أهمّ فيما يخص العلاقات العربية الصهيونية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.