ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

مقبرة مأمن الله، حلقة أخرى من سرقة التاريخ

لم يسلم أثر تاريخي أو مكان مقدس في فلسطين من تعدي الصهاينة، ومحاولاتهم الحثيثة لتشويه، وكأن هناك عداء مستشري بينهم وبين كل موروث ضارب في القِدم، تعود أصوله إلى أعماق التاريخ.

تراهم يكرهون كل ما يثبِّت حق غيرهم في هذه الأرض، ويرسخ أصول الحضارات الأخرى في ثراها، وينكر عراقة وجودهم في أي يوم مضى على سطحها، ولذا تجدهم يعادون كل شيء، ويحاولون طمسه، وتغييبه، وتشويهه والادعاء كذباً أنه يعود لهم عبر تزوير التاريخ، وتزييف الحاضر.

مقبرة مأمن الله، شاهد حاضر على تشويههم الواعي والمقصود للماضي، ونموذج على فكرهم التلمودي النرجسي، الذي لا يرى في الوجود غيرهم، ويضيق عن استيعاب غير صهيونيتهم وأساطيرهم. مأمن الله أو ماملا، والتي تعني ماء من الله أو بركة من الله، مقبرة تمتد غربي مدينة القدس القديمة خارج أسوار القدس، على مساحة تزيد عن 150 دونماً، وهي أقدم مقابر القدس وأوسعها، دُفن فيها صحابة وتابعون وأعلام ومجاهدون وشهداء وصالحون وعلماء وفقهاء وأدباء وأعيان.

أحاط العثمانيون المقبرة بسور لحمايتها، ولكن مع سقوط الدولة العثمانية ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، بدأت سلسلة الانتهاكات اليهودية التي كانت على شكل حوادث فردية في البداية على المقبرة بدءاً من فتح المياه العادمة عليها، وإلقاء القاذورات وبقايا البناء فيها، ناهيك عن هدم الجيش البريطاني لأجزاء من سورها.

وما إن احتُلت فلسطين، ووقعت الأجزاء الغربية من مدينة القدس تحت الاحتلال الصهيوني، حتى استولى الصهاينة على المقبرة، وأقرُّوا قانوناً يعتبر جميع الأراضي الوقفية الإسلامية وما تضمه من أضرحة ومقامات ومقابر، أراضي تتبع لــ “حارس أملاك الغائبين” الذي له حق التصرف فيها كيف يشاء. وبعد سنوات عشر من النكبة أقاموا حديقة على أرض المقبرة أسموها “مقبرة الاستقلال” بعد أن حطموا شواهد القبور وانتهكوا مرمتها ونبشوا عظامها، إمعاناً منهم في سرقة التاريخ، وإصراراً منهم على إضفاء الصبغة التلمودية على كل ذرة تراب على هذه الأرض المباركة، ليخترعوا لليهود مقدسات وآثار وأماكن هامة على أرض فلسطين، علهم يسدُّوا حيز الفراغ الذي تعيشه الدولة الصهيونية بسبب افتقارها للمقدسات التي تدَّعيها لنفسها والتي لم تستطع حفرياتها ومهندسوها أن يثبتوا وجودها.

ولم يكتف الاحتلال بذلك، بل أصدر قراراً عبر المحكمة بإزالة وتجريف المقبرة بالكامل، وفتح شارع فوق على أرضها، وإنشاء مشروع عمراني ضخم تقدمت به شركة أمريكية بمشاركة والي كليفورنيا لإقامة متحف للتسامح على أرض المقبرة وضع له حجر الأساس عام 2004، وإنشاء سوق تجاري كبير يضم مساكن وفنادق ومطاعم ومقاهي ومواقف للسيارات حتى لا يبقى هنا أي أثر للمقبرة. جرفوا المقبرة، وجرفوا القبور التي ما زالت تضم رفات آلاف المسلمين.

وشرعوا ينشئون فوقها حضارتهم اللقيطة المزيفة، دون أن تهب اليونسكو للدفاع عن الآثار والحضارة الإنسانية، ودون أن تثور الجمعيات العالمية المدافعة عن التاريخ. خرس الجميع ووقفوا متفرجين يترقبون الخطوة التالية التي سيقوم بها الصهاينة لطمس المزيد من التاريخ والآثار.

د. زهرة خدرج كاتبة فلسطينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.