تدوينات

لم يعُد فينا يوسف؛ يا يعقوبي القلب!

ما كنتُ أحسَبُ قبل دفنِكَ في القرى.. أنّ الكواكبَ في الترابِ تغورُ استُشهد الرئيس محمد مرسي بروح شفافة وجسد يحتوي بين أضلعه القرآن المجيد، لتُأجلت قضيته إذن إلى قاضي السماوات والأرض! حولي دماءُ المُسلمين ومجدُهم.

أشلا من حولي فكيف أنامُ ؟ يا ويلتي ما في الخريطةِ بقعةٌ إلا وفيها يُضربُ الإسلامُ! تتوسد العالم الأحزان، فمنهم من قد إستيقظ على أملٍ، ومنهم من لم ينم لشدة الألم، حتى أتاني خبر كالصاعقة للقلب، عندما كُنتُ في جلسة عائلية بعيد جدًا عن شبكات التواصل، بُعدّ الطمأنينة عن قلوبِ الظالمين، ليومض هاتفي برسالة تُفيد بإستشهاد الرئيس محمد مرسي -رحمه الله-، شعرت بوخزة في قلبي، لا أدري ما سببها؟ فعن أي قلوب مجروحة وأكباد مكلومة،

طوى الأحرار ليلتهم المنصرمة؟ بينما سوريا تنُوح بالدمار، واليمن ينادي: الله أكبر، والعراق يبتهل بآهاتهِ، والقدس تغوص في الحزن، يأتي خبر الفجيعة! إلى أي وهدة مريعة مخيفة ننزل وننزلق، والأمة الإسلامية كثيرة بالأحزان! إذا ألمّتْ بوادي النّيلِ نازلةٌ، باتت لها راسِياتُ الشّامِ تَضطَرِبُ !

نستشعر أن ثمة تشابه غريب بين عثمان -رضي الله عنه-، والرئيس محمد مرسي؛ اللين، اللطافة، والثقة الغير الآمنة، الرحمة بالجيش التي لا حدّ لها، قدرًا قرأتُ خبرًا: بأن كلا الرجلين العظيمين تصادفا في تاريخ الإستشهاد غدرًا وإغتيالًا: 17/6/2019 17/6/656 أتدري يا أخي ما المؤلم: ليست اللإنسانية ذاتها أو الإجرام متمثل بالظالم صاحب القلب البلاستيكي، بل المؤلم أن تدرك بقلبك وكلك أنك مضطر للتعايش في هذا العالم الكئيب!

ومن يدري؟ لعل دعوةً طاهرةً نديةً بالخشوع -عندما تبلل القلب بالوَجَد في ال30 غيمة الفائتة- دعتِ الله أن يفك أسره؛ فإستجاب الله! فإحتراق الرغيف الحياة المأساوية الأخيرة للسنبلة، فهو سنبلة في العزة والحرية والكرامة والشهامة.

من المعلوم أن السجن الوحيد الذي كان في الأرض كان في مصر، والغريب أن المتهم كان بريئًا، والأغرب من هذا أن القاضي يعلم أن المتهم بريىء؛ فما أشبه اليوم بالأمس!

محكمةُ اللهِ العُليا هي الأحقّ أن تُخشى، فمحكمةُ الدُّنيا يحكُمها قاضٍ قد يُخطئُ وقد يُصيب.. أما محكمةُ السّماءِ فـ بين يديّ قاضٍ لا يَظلمُ مثقال ذرّة قاضٍ رأى ما بيننا، وسيحكمُ فيهِ عدلًا وإحسانا..!

يُلوى جذع فؤاد إبنه أحمد وزوجته وأولاده وإخوانه في السجن مرارًا وتكرارًا ولربما ينكسر ذات خيبة ليس ليلقى حتفه حزنًا ولا ليختنق ألماً بل لينمو منه أغصان تتبرعم حول أعناقها عناقيد ثقة بالله لتجعل أفئدتنا مكللةً بإبتسامة رضا بـ: (وما كان ربك نسيا)!

أتساءل: هل هي مصادفة، أن يتم خطف شيخي الحبيب د. خالد أبو شادي قبل أيام وهو يصلي العشاء بالناس، والآن تُفجع قلوبنا، أن الرئيس مرسي مات؟ هي إذن لإطفاء أقلام الأحرار الّتي تفضح الظالم وتجعله يرتجف من أعماقِ أعماقه! تروي السير أن الحجّاج لم يعش 16 ليلة بعد مقتل سعيد بن جبير وعاش في مرض وظل يردد: مالي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ برجلي ثم يأخذ بمجمه ثوبي ويقول لي: يا عدو الله فيما قتلتني؟ فيستيقظ الحجّاج مذعورًا كئيبًا وهو يقول: مالي ولسعيد بن جبير!

وسيستيقظ الآن كل ظالم ويقول: مالي ولمحمد مرسي؟! هذا يقين! لم تسقط دموعي حزنًا عليه، بل كانت الغصّة أضخم من حنجرتي فاحتجتُ للماء لأبتلعها.. وكذلك زوجته! عن مشاعر إخوانه عندما سمعوا خبر إستشهاده، عن تفاعلات اللقاء الكيميائية والفيزيائية، التي فرضت صمتًا طويلًا مع زوجته عند آخر زيارة له، هل كانت تعي أنه سيُستشهد؟ أتخيل المشهد جيدًا بأدق تفاصيله..! من يُعيد ترتيب أخاديد أرواحه أهله؟ لم يعُد فينا يوُسُف! من يستطيع أن يُعيد للأحرار عزتهم وقائدهم؟ كيف يا رب يعيش الظالم حياته؟ هل يستشعر إجرامه؟ عندما يلتفت لقلبه فيجده قد تحول لسواد وظلام دامس نتيجة ظلمه وقهره للأحرار؟ ثمة كبرياء يشبه عفة الجذر أمام إغراء النسيم، نعم: الظالم يعلم أنه ظالم، ويستمر في إجرامه رغم معرفته الحقائق، لكن الله يستدرجه لأعظم الحكم، وكُل أموره خير سبحانه! فكما أوغل الظالم في إجرامه،

تذكر: أن الهلاك بشيره الدعوات! فالقوة هي أن تعجز عن ظُلم أحد، وفي مقدرتك جميع القدرات التي تأهلك لأن تصنع كُل شيء، فكُفر بعدل يبقى وإسلام مع ظُلم لا يبقى! أين إهتمام بعض من يُطبل للظالم بالمعاني القرآنية، في القُرآن 300 آية عن العدل و300 آية عن الظُلم، إنه الميزان الذي يكشف حقيقة القلوب المُحبة للظالم والنافرة منه! علينا أن نكون مجتمعات قادرة على رفع الدعاوي ضد الظُلم، بعيدًا عن التدهين والخباثة والأوجه الرمادية، لأن سنة الله الكونية تقتضي أن الكُفر يدوم والظُلم لا يدوم، فمن صور الجهاد في الإسلام مقاومة الظُلم ومقارعته بكُل شيء (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها..)!

الظُلم ليس في صالح أحد، بل ليس في صالح الظل الجسدي للظالم، وتنص الشريعة على أن الإسلام يُحرّم الظُلم حتى للمُخالف في الدين (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى)! فلا يُمكن لن أن نُحقق مقصد التقوى إلا بمحاربة الظُلم وأهله، والله إن العقوبة الكونية العاجلة تكون ثمرة لأي ظُلم قد وقع في مجتمع مسلم خصوصُا في جانب الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فالظُلم يُهدم أعمدة الأمة الإسلامية أكثر من القتل والخلافات والأراء!

ولكن لا نيأس، فقد خرج نجم الدين أيوب من العراق مطرودًاـ، فخرج من صلبه صلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس من الصليبيين، وخرجت قبيلة الكايي من أراضي التركمان هاربة من ظُلم وبطش المغول، فخرج منها عُثمان أرطغرل؛ مؤسس الدولة العثمانيّة.. وخرج حسن البنا شهيدًا من ظٌلم العسكر، وخرج من صلبه جماعة تتخذ الإسلام مأوىً لها!

واستشهد الرئيس محمد مرسي، وسيخرج أُناس تقتُل الظُلم وطحالبه! فهل من الممكن أن تركض الشمس تحت التُراب، لذلك وعد رباني أن الظالم -وإن عاش وطال عمره وأكثر في الأرض الفساد-؛ لن يشعُر بالطمأنية لأن هُناك طحالب تتوسد قلبه، ومغناطيس يمسك نبضه الفطري! فاللهم أرنا بالظالم عجائب قدرتك يا أقدر القادرين!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق