ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ماذا لو سبَّ أحدهم الرئيس؟

أثار شَجَني منشور قرأته على صفحة أحد الأصدقاء، كتبه بصيغة استفسار هزلي يريد به انتقاد قيام السلطات والحكومات والمؤسسات بل والأحزاب بقمع مخالفيها في الرأي، فقال في منشوره:

(هلأ؛ إذا قامت الدولة الإسلامية وطقّيت بوست على الخليفة على الفيسبوك، بحبسوني؟)

أغمضت عينيّ ورحلت عبر الزمن إلى مرحلة كانت أمتنا تتعامل فيها وفق أرقى السلوكيات الحافظة لحقوق الإنسان، رغم ما شاب تلك الفترة من مشاكل وصراعات، لعل الحكمة منها كانت أن نتعلم من هؤلاء العظماء كيف كانوا يتعاملون مع تلك الصراعات.

عاد بي الزمن إلى أيام الخليفة الراشد، أمير المؤمنين (علي بن أبي طالب) عليه وعلى آله السلام، فدخلتُ – في خيالي – المسجد والخليفة يخطب الجمعة، وإذا برجل من (الخوارج) الذين كانوا يعارضون نظام الحكم، ويزعمون أنهم وحدهم من يمتلك الحق المطلق، بل ويكفّرون مخالفيهم، وجدته يقف في جانب المسجد، والخليفة يخطب، فيصيح قائلًا: (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ)، ثُمَّ يقوم رجلٌ آخر منهم، فيقول: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، ثم يتتابعون مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، وكأنهم في مظاهرة في عصرنا الحديث وهم يهتفون (لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ).

انتظرت ماذا سيكون ردُ أمير المؤمنين عليهم؛ هل سيأمر حراسه وجنده بسحلهم خارج المسجد واعتقالهم؟ أم لعله يأمر بإعدامهم بتهمة محاولة قلب نظام الحكم!

غير أني وجدته يشير إليهم بيده قائلًا لهم: (اجْلِسُوا) قالها هكذا ببساطة وبلا تعنّت ولا تشنّج، ثم أردف قائلًا – موجّهًا الكلام إليهم، وإلى المستمعين من المصلّين –: (نَعَمْ؛ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، كَلِمَةُ حَقٍّ يُبْتَغَى بِهَا بَاطِلٌ).

نعم يا أمير المؤمنين، رضي الله عنك، وكم من قائلٍ لكلمة حقٍّ في زماننا أيضًا لا يريد بها سوى الباطل، وكنت أتخيل ما دام الخليفة يعلم أنهم لا يريدون سوى الباطل من هتافهم هذا أن يعاجلهم بالعقوبة، ولكنه سارع وأعلن لهم منهجه في التعامل معهم، فقال لهم:

(لَكُمْ عِنْدِي ثَلَاثُ خِلَالٍ مَا كُنْتُمْ مَعَنَا) أي ما كنتم خاضعين لسلطان الدولة، ثم بيّن لهم الحقوق التي هي لهم رغم معارضتهم المعلنة، والتي وصلت بهم حدّ تكفيره عليه السلام.

كانت الأولى أن قال لهم:

  • (لَنْ نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يَذْكُرَ فِيهَا اسْمُهُ).

هي الحرية حقٌّ لكم لا نسلبكم إياه، والسماح لهم بغشيان المساجد كان يقتضي أنهم سيختلطون بالناس ويحاولون نشر أفكارهم، ولكن أمير المؤمنين كان يعول على مواجهة حججهم الباطلة بحجج أهل الحق والعلم.

أما الحقُّ الثاني الذي أعلمهم بأنه سيحفظه لهم، فقال لهم عنه:

  • (وَلَا نَمْنَعُكُمْ فَيْئًا مَا كَانَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَ أَيْدِينَا)

حقوقكم المالية، رواتبكم، عطاياكم، محفوظة لكم ما دمتم ملتزمين بأن تكون معارضتكم سلمية كلامية.

ما أعظمك يا سيدي يا أمير المؤمنين، وما أعظم هذا الدين الذي تربّيت على موائده.

ليت أنظمتنا وسلطاتنا يقبسون من نور منهجك ولو شيئًا قليلًا!

ثم النقطة الأخيرة المهمة، قال:

  • (وَلَا نُقَاتِلُكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُوا)

نعم، ما دامت المعارضة بالكلمة والفكرة، فالردّ عليها سيكون – أيضًا –  بالكلمة والفكرة ومحاججة أصحابها.

أين أنتم يا من تزعمون حفظكم لحقوق الإنسان؟

كانوا يعترضون عليه وهو الخليفة، لا يُخَطّئونه فقط، بل ويكفّرونه، فكان كأنه يقول لهم: تكلموا بما شئتم وكيف شئتم ما لم تحملوا سلاحكم ضد أمتكم ودولتكم وإخوانكم، فأنتم آمنون حيث توجهتم.

لم يوجه لهم تهمة (القذف والتشهير)، ولا تهمة (الإساءة للمقامات العليا)، ولم يعتقلهم لانتقادهم نظام حكمه، ولم يرسل (شبّيحة) لتأديبهم خارج إطار القانون.

(ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ)، أخذ فيها واستمر كأنَّ شيئًا لم يكن.

سار بي الزمن سنوات، وقادني خيالي إلى مجلس الخليفة العادل (عمر بن عبد العزيز) رضي الله عنه، فصادف ذلك ورود كتاب أرسله له واليه على الكوفة يقول له فيه:

(إني وجدت رجلًا بالكوفة يَسُبُّك، وقامت عليه البينة، فهممتُ بقتله، أو قطع يديه، أو قطع لسانه، أو جلده، ثم بدا لي أن أراجعك فيه)

كان ذلك الوالي يتخيل أن عقوبة من سبّ الخليفة، وهو خليفة عادل صالح، لن تخرج عن هذه الخيارات: القتل، أو قطع اليدين، أو قطع اللسان، وليس أقلَّ من الجلد.

انتظرت ما العقوبة التي سيختارها (عمر بن عبد العزيز) من هذه العقوبات لمن (تَجرَّأ) عليه وسَبَّه، فسمعته يأمر كاتبه بأن يكتب للوالي:

(سلام عليك، أما بعد: والذي نفسي بيده لو قتلتَه لقتلتُك به، ولو قطعتَه لقطعتُك به، ولو جلدتَّه لأقدتُّه منك)

يا الله! ما هذه العَظَمة؟ ما هذا العدل؟ تهدد – يا أمير المؤمنين – واليك بالعقوبة لأنك شعرت أنه سينتهك حقوق مواطن شتمك وسبَّك وأنت الخليفة؟!

ثم كتب له:

(فإذا جاءك كتابي هذا، فاخرج به إلى الكناسة) – وهي محِلّةٌ بالكوفة – (فسُبَّه كالذي سبّني، أو اعف عنه، فإن ذلك أحب إلي).

الخليفة، وهو الخليفة، يرى أنّ عقوبة من سبّه أن يُسَبَّ كما سبَّ الخليفة، هذا هو القصاص عنده، لا قتلٌ ولا قطعٌ ولا جلدٌ ولا حبس.

تخيلوا لو أنّ شخصًا عندنا قال لـ (رئيسٍ): (أنت حمار)، فإن عقوبته عند عمر بن عبد العزيز كانت أن يقول له الرئيس: (بل أنت حمار)، ثم تنتهي القضية، ويمضي كل واحد منهما لحاله!

ليس ذلك فقط، بل إن (عمر بن عبد العزيز) يقول له عن الخيار الثاني الذي تركه له، و هو العفو، يقول له عنه: (فإن ذلك أحب إلي).

ثم علل للوالي سبب ما قاله، فكتب إليه:

(فإنه لا يحل قتل امرئ مسلم يَسُبُّ أحدًا من الناس، إلا رجلًا سب رسول الله ﷺ)

لاحظت حينها أن الخليفة يرى نفسه (أحدًا من الناس) له ما لهم، وعليه ما عليهم، فهو ليس من طبقة مستعلية عليهم يستحق من سبَّه عقوبة غير عقوبة من يسُبُّ بقية الناس!

ثم قادني خيالي عبر السنوات إلى حلقة الإمام الشافعي في مصر، وهو يلقي درسه على تلاميذه، وكان يعلمهم أحكام التعامل مع من (يخرجون) على نظام الحكم، فانتحيت جانبًا أستمع ما يقول، فإذا به يملي عليهم قائلًا:

(ولو أن قوما أظهروا رأي الخوارج وتجنّبوا جماعات الناس وكفّروهم لم يحلل بذلك قتالهم)

وكأني بأحد تلامذته يسأله: يا إمامنا، حتى لو كفّروا بقية المسلمين؟!

فيعلل له الشافعي ذلك ويقول: (لأنهم على حرمة الإيمان)،

أي أن حقوقهم محفوظة لأنهم مؤمنون ولو كانوا يخالفوننا، ويكمل قائلًا أنهم (لم يصيروا إلى الحال التي أمر الله عز وجل بقتالهم فيها).

ثم يقول لتلامذته: (ولا يحل للمسلمين بطعنهم) أي بطعن الخوارج في المسلمين بالكلام، لا يحل لهم (دماؤهم، ولا أن يُمنعوا الفيء… ولا يحال بينهم وبين المساجد والأسواق… ولا يفرَّق بينهم وبين غيرهم فيما يجب لهم وعليهم من أخذ الحقّ والحدود والأحكام).

تعجّبتُ من هذا الفقه الذي كان يعلّمه الشافعي لتلاميذه، وتساءلت: أين نحن عن ذلك كله؟

لم ينهج حتى المتدينون منّا ما يخالف ذلك؟

أم أننا أتقى لله وأعلم بحدود الله من كل هؤلاء؟

ووجدت نفسي وقد هملت عيناي حزنًا على حال أمتي، وفتحت عيني لأجد أنني ما زلت مكاني حيث لا زال الناس يصادرون حق غيرهم في التعبير عن رأيهم، ويستخدمون سلطاتهم لقمع مخالفيهم، لا يختلف في ذلك مسؤول في دولة عن مسؤول في حزب أو جماعة، إلا من رحم ربي، وقليل ما هم.

وكتبه م. عيسى خيري الجعبري

12/6/2019

ملاحظة:

  • أثر عليًّ عن الخوارج: رواه بسنده: ابن أبي شيبة في (المصنّف)، ح 37930، والطبري في (تاريخ الطبري)، 5/73، 74، والبيهقي في السنن الكبرى، ح 16843، وذكره الشافعي في الأم (4/229) بدون سند.
  • وأثر عمر بن عبد العزيز رواه البيهقي في السنن الكبرى، ح 16846.
  • وكلام الشافعي ذكره في كتابه (الأم)، (4/ 229 – 230)

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.