ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

قلعة القدس، شموخ يأبى الترويض

من حكم القدس علم بنقاط ضعفها، كما علم بمكامن قوتها، وبما أن القدس بُنيت في منطقة تحيط بها الجبال العالية مشكِّلة حصناً طبيعياً طالما حماها من أيدي الغزاة والأعداء، فإنه من المنطقي أن يقوم بتحصين أي مكان منها تنعدم فيه الحصانة الطبيعية، وكذلك كان الحال فيما يتعلق بقلعة القدس التي تقع على الجهة الغربية من البلدة القديمة لمدينة القدس.

فقد بنى الرومان القلعة في الجهة الغربية من القدس، وهي الحلقة الأضعف في السلسلة، وقد أضاف إليها الملك هيرودوس الروماني فيها أبراجاً ثلاثة ما زالت شامخة حتى الآن.

فترات حكم مختلفة عليها، فمرة الرومان، ومرة اخرى اليونان، ثم الحكم الإسلامي، ثم الاحتلال الصليبي، ثم الفتح الإسلامي مرة أخرى بمسميات تختلف باختلاف الدولة التي تحكم بلاد الإسلام، فما بين الخلافة الأموية، إلى العباسية بعديها الأول والثاني الذي تميز بوجود الدويلات التي امتدت من المشرق إلى المغرب، وصولاً إلى العهد العثماني حتى انهيار الخلافة الإسلامية تماماً، وتقسيم الدولة الإسلامية واسعة الأرجاء إلى دويلات سميت الدول العربية، رُسمت بينها الحدود، وتولى كل دولة حاكم استأثر بالسلطة وتناسى قضايا الأمة الكبرى ومنها قضية فلسطين والقدس.

وما بين تعاقب العهود على القدس وقلعتها وبين الوقت الحالي، أضافت كل دولة وكل حاكم حكمها لمسته المعمارية الخاصة على قلعة القدس، أو قام بترميمها على أقل الأحوال. إلا أنها وعي مر الحقب والعصور بقيت هذه القلعة تستخدم مقراً قيادياً عسكرياً، وفي بعض الأحيان سجناً أيضاً.

وبرغم ما سبق فإن منْ ينظر إلى القلعة ويتجول داخل أرجائها الآن، يجدها إسلامية في نمطها المعماري تعود إلى العهد الأيوبي، والمملوكي، والعثماني. فقد تعرضت القلعة خلال الحروب (ونحن ندرك تماماً أن القدس كانت وما زالت منطقة صراع ساخنة على مر العصور) إلى الهدم والتدمير، أضف إلى ذلك الزلازل التي أدت إلى تصدُّعها وانهيار أجزاء كبيرة منها.

حيث قام المسلمون بترميمها وإعادة بنائها. شيد المسلمون في القلعة مسجدين، أحدهما جنوبي بنى عليه السلطان عبد الملك بن قلاوون المئذنة الجنوبية ويُسمى أيضاً المسجد الصيفي، ومسجداً آخر شرقي وسُمي المسجد الشتوي، وبعد سيطرة الاحتلال على القلعة عام 1967 وتحويلها إلى معرض دائم ومتحف يعرض تاريخ مدينة القدس بمجسمات توضيحية ورسومات تسوق الرواية الصهيونية المشوهة، ولم يكتفوا بذلك، بل عمدوا إلى تغيير اسم القلعة من قلعة القدس إلى قلعة داوود، وذلك لإضفاء الصبغة اليهودية الصهيونية عليها.

أوقف الصهاينة استخدام المسجد الجنوبي، وأبقوا على المسجد الشرقي ولكنهم حولوه إلى معرض يهودي دائم. وسمُّوا أحد أبراج هيرودوس ببرج داوود، ثم عادوا ونقلوا هذه التسمية لمئذنة عبد الملك بن قلاوون.

وفتحوا القلعة أمام السياح، باذلين جهدهم لإقناع العالم أن يهودية القدس ضاربة في أعماق التاريخ، وليس لحظة لقيطة وعابرة من الكذب والتزييف. يحيط بالقلعة خندق عميق وسور حصين مرتفع يحتوي على تحصينات عسكرية قديمة كثيرة مثل فتحات الرماية والمساقط التي تستعمل لقذف الأعداء المعتدين بالسهام والزيت الحار.

وما زالت النقوش التي لا يكاد يخلو أحد حجارتها منها لخير دليل وشاهد على إسلامية هذه القلعة وأنه لا مكان للصهاينة على هذه الأرض أو حتى تحت ثراها. د. زهرة خدرج كاتبة فلسطينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.