تدوينات

موائد الفقد الرمضانية

ليس ثمّة شعور يواسي فيه المشتاقون أنفسهم، لمداراة إشتياقهم المُلحّ، وحنينهم المُتعب، لشخوص غابوا عنهم قسراً، يصدق الكثير عندما يقولون أن “مصير الأحياء يلتقوا” ولكن ما يتعب هؤلاء الأحياء أن الغياب لا مفرّ منه..

عشرات العوائل الفلسطينية يؤرقها هذا الحنين، ويتعبها عدم اكتمال شخوصها، تأتي عليها المناسبات وقد زادتهم حُزناً، فكيف لطفل يكبر على فكرة أن والديه هما السند القويم، ولكن واقعه يغيّب الوالد وتبقى الأم جبلاً مضطرة ألا تتصدع لأجل أبنائها، وكيف لشاب يعيش في زمن الكل ينادي بالحرية، بينما هو يعيش حالة تكبيل حرية والده ولا يراه إلا من وراء القضبان، كيف لفتاة تؤمن أن لا رجلاً كأبيها تستطيع مدارة دمعها وهي تتخرج من مراحلها التعليمية دون ضمّة من والدها ويربت على كتفها ويقول لها “رفعتي راسي يا بابا”!

كيف لمائدة رمضانية أن لا تكون غصّة في قلوب أبناء الأسرى والشهداء!

كيف نقنعهم أن طقوس رمضان جميلة، وهي التي تذكرهم -وهم لا ينسون- أن هذه المائدة قائمة على فكرة جمع الأحبة لا الفتك بجراح الفاقدين والمفقودين!

إن للبيوت أرباب مغيبون في سجون الاحتلال أو شهداء تحت الأرض بفعل بطش الاحتلال، وبيوت هدمها الاحتلال وشتت أفرادها لأن أحدهم قاوم الاحتلال، وزد على ذلك أن ثمّة أمهات يقبعن خلف قضبان الاحتلال ولا يأبه العدو في معاناة أطفالهن، وطالما كانت القاعدة تقول “إن البيوت قائمة على صبر النساء” هنّ حقاً بيوتنا وأعمدتها وصبرنا أمام جبروت هذا المحتل وتفننه في تشتيت الأُسر الفلسطينية.

فما ذنب الطفل يحيى الفاخوري مثلاً أن يحتفل بذكرى ميلاده الثالث وهو بعيد عن أحضان أمه الأسيرة لمى خاطر، وكذلك الطفلة حور الكرمي التي تحيا طفولتها بعيدة عن والدتها الأسيرة دينا الكرمي، ولا اكتفاء في الامثلة التي تدمي العين،

ولكن يبقى السؤال مُلحّا: الى متى سنبقى نعيش مأساة حقيقية بفعل وجود احتلال صهيوني؟ متى سيتحقق وعد جدي لنا بأن الاحتلال الى زوال وأن كل عام يأتي ونحن نحلم بالحرية والتحرير في العام القادم؟ متى ستنتهي هذه الشرئمة في قضيتنا ونتوحد على ثوابتنا ونحرر أرضنا؟ متى سيصحو الطفل معانقاً والده الأسير وقد تحرر؟ متى ستصحو الطفلة معانقة والدتها الأسيرة وقد فُك عنها القيد للأبد؟! أهي أسئلة صعبة كأسئلة الوجود أم أنها مستحيلة كالخلود أم أنها حقيقة تدنو منّا ونحن نستعجل التحقيق ؟!

قلوبنا مع كل عائلة تنظر لمقعد فارغ على مائدتها الرمضانية وتستذكر شخصها القابع خلف قضبان الأسر أسيراً أو في باطن الأرض شهيداً، قلوبنا مع كل طفل وأم جاء العيد وفتك الشوق فيها جراحها، قلوبنا مع كل قلب حنّ وأنّ وكان الدعاء سبيله أن يردّ الله غيّابهم..

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق