ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

المصلى المرواني، شاهد على الصراع التاريخي المرير مع الصهاينة

منذ احتلال القدس لم يكف المسجد الأقصى بكل ما يضمه داخله من مقدسات عن الدفاع عن نفسه أمام عدو مجرم، مخادع دجال، كذبه فاق الآفاق. ففي كل يوم مواجهة جديدة وحكاية جديدة من دبلجة التاريخ والثقافة ومحاولة تزويرهما وانتحالهما، مُعتقداً أن باستطاعته تطويع العالم أجمع ليصبح ملك يمينه، فيمسون عبيداً يأمرهم فيطيعون، ويشير بيده فيركعون.

وينسى هذا العدو أنه أمام شعب الجبارين الذين لا يقبلون الدنية في دينهم، وترخص الأرواح والدماء عندما يتعلق الأمر بالأوطان والمقدسات، ويتناسون في كل مرة أيضاً أن مجرد الاقتراب من المسجد الأقصى حتى قبل المساس به، بإمكانه أن يشعل ناراً لا أحد يعرف إلى أين قد تمتد ألسنتها، أو ماذا يمكنها أن تحرق؟. فحذارِ من المساس بأقصانا.

في أسفل الزاوية الجنوبية الشرقية من المسجد الأقصى، وبالاشتراك معه ومع البلدة القديمة في الجدران الجنوبية والشرقية نفسها، وعلى ما يربو عن أربعة دونمات ونصف يتربع ستة عشرة رواقاً حجرياً، ومئة عمود من الحجر تشكل أكبر مساحة مسقوفة داخل الحرم القدسي الشريف، ويكوِّن التسوية الشرقية للمسجد الأقصى المسماة بالمصلى المرواني.

بناه الأمويون كتسوية معمارية لهضبة بيت المقدس ليتسنى البناء فوقها على أرض مستوية متينة، ترتفع لمستوى القسم الشمالي، وقد بُني المصلى المرواني قبل المسجد الأقصى. ونُسب في تسميته إلى عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي.

أبان الاحتلال الصليبي للقدس، حوَّله الصليبيون إلى اسطبلات لخيولهم، ومخزناً لذخيرتهم وأسموه اسطبلات سليمان، ولا تزال حلقات ربط الخيول في جدرانه شاهدة على انتهاكاتهم وتهاونهم بالمقدسات. وبعد تحرير القدس طهره صلاح الدين الأيوبي من دنسهم وأعاد إغلاقه، وفي أثناء الخلافة العثمانية تم تأهيله واستخدامه للتدريس.

بقي المصلى المرواني مغلقاً حتى عام 1996 حين فتح آلاف الفلسطينيين المتطوعين تحت إشراف لجنة إعمار الأقصى بوابتين كبيرتين من بوابات المرواني السبع، وقاموا بترميمه وتنظيفه، وبنوا درجاً يؤدي إليه ووضعوا فيه محراباً خشبياً وفرشاً تبرعت به مصر وأضافوا له الكهرباء والسماعات، ثم افتتحوه للصلاة فيه لجعله أمراً واقعاً يضطر الصهاينة للرضوخ له، لحمايته من مخططاتهم الخبيثة حين تسربت وثائق سرية إلى الملأ كشفت عن اعتزامهم أن يحولوه إلى كنيس يهودي، وهو ما أثار حنق الاحتلال الصهيوني الذي يطمح بالسيطرة عليه بحجة أن ما تحت الأرض لهم وما فوق الأرض للمسلمين.

وكان استخدام المسلمين له وجعله مصلى سبباً في تبديد آمالهم وأحلامهم، فأخذوا يستفزون المصلين والمرابطين فيه ويتحرشون بهم، وما كان اقتحام ارئيل شارون المجرم بموافقة رئيس وزراء الاحتلال يهود باراك آنذاك لباحات المسجد الأقصى محاطاً بأعداد غفيرة من جنود الاحتلال ومحاولاً الوصول إلى المصلى المرواني إلا جزء من هذا الاستفزاز الذي لم يقبل به الفلسطينيون فهبُّوا منتفضين ثائرين لتشتعل كافة الأراضي الفلسطينية في انتفاضة الأقصى، وقد سقط حينها سبعة شهداء على ثرى الأقصى وهم يدافعون عنه بأرواحهم ودمائهم وجُرح ما يقارب 250 فلسطينياً.

د. زهرة خدرج كاتبة فلسطينية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.