ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

الطفل المدلل للثورة الفلسطينية

اعتادت آذاننا منذ الصغر سماع أناشيد الثورة الفلسطينية، وشعاراتها النارية، وأخبار بطولاتها التي تردد صداها عربياً وعالمياً، وبدأ الأمر “ينحسر” بقيمة الثورة ومضمونها بتاريخ 1-1-65، وسمي هذا التاريخ بانطلاق الثورة الفلسطينية مختزلاً سنوات من المقاومة، والنضال لفصائل، وحركات، ومجموعات جهادية كثيرة، عملت في الساحة الفلسطينية منذ بداية الانتداب البريطاني في فلسطين لمدة 28 عاما، ومع بدء ظهور الحركات الصهيونية التي هدفت من خلال الحركة الصهيونية العالمية إلى تجميع يهود العالم، وإقامة دولة يهودية في فلسطين، (ظهر العمل المسلح ضد الوجود الصهيوني، والذي بدأ يتغلغل في فلسطين منذ عام 1886م، حيث سجل التاريخ الفلسطيني قيام الفلسطينيين، الذين تم طردهم من قرية ” ملبس ” والتي أقيمت على أراضيها فيما بعد مستوطنة (بتاح تكفا)، بمهاجمة منازل المستوطنين على أرضهم، وطالبوا بمنع هجرة اليهود لفلسطين، وصدرت الفتاوى التي تحرم استملاك اليهود للأراضي.

وقد ظهرت المقاومة الفلسطينية الفعلية منذ بداية عام 1917م حينما انتدبت بريطانيا فلسطين، فبدأت وتيرة الأعمال المقاومة تزداد يوما بعد يوم، ومن أبرز مظاهر المقاومة وقتها:
– انتفاضة النبي موسى، القدس: أبريل 1920.
– انتفاضة يافا: مايو 1921.
– ثورة البراق: أغسطس 1929.
– ثورة الكف الأخضر: 1929 -1930.
– انتفاضة أكتوبر 1933.
– ثورة الشيخ عز الدين القسام: 1935.
– الثورة الفلسطينية الكبرى: 1936-1939.


الإخوان المسلمون والقضية الفلسطينية:

كانت جماعة الإخوان المسلمين أولى الجماعات الإسلامية التي نبهت إلى خطر الزحف اليهودي، ودعت إلى ضرورة مواجهته ليس بالقول والشجب والتنديد فقط، بل بالعمل الجاد والكفاح المسلح، بدءاً بالمظاهرات والمؤتمرات …، ووصولاً إلى حمل السلاح، ورفع رايات الجهاد، فأظهرت من الشجاعة ما حمل أحد الأطباء الإنجليز على القول: “لو أن معي اثنا عشر ألفاً من هؤلاء لحاربت بهم العالم”، وقد سطر الإخوان بدمائهم أصدق صور الجهاد ضد الاحتلال البريطاني في مصر، والاحتلال الصهيوني في فلسطين، ورووا بدمائهم أرض فلسطين الطاهرة، وصعدت أرواح شهدائهم فوق ثرى فلسطين دفاعا عن الدين والعقيدة والأرض والأخوة ضد مكائد اليهود وعدوانهم.
لقد اهتم الإخوان المسلمون بقضية فلسطين، بل كانوا أول من تبنى هذه القضية، ففي عام 1927 أرسل الإمام حسن البنا رسالة إلى مفتي فلسطين الحاج أمين الحسيني، وفى عام 1931 بعث الإمام برسالة إلى المؤتمر الإسلامي الذي انعقد في القدس، وتضمنت الرسالة عدة مطالب، وفي العام نفسه اندلعت الثورات، والتظاهرات في فلسطين فتجاوب معها الإخوان في مصر. وفى عام 1932 أرسل الإخوان وفداً لنشر الدعوة خارج مصر بدأ بفلسطين، وبعد هذه الزيارات أصبح المركز العام للإخوان منتدى لقادة الجهاد الفلسطيني، ونشطت الجماعة في جمع التبرعات اللازمة، وفى يوم 11-8- 1933، قامت أول مظاهرة عامة في جميع أنحاء البلاد تردد الهتافات ((النصر لفلسطين والموت للصهاينة)).
وكانت بداية تأسيس التيار (الإسلامي)منذ أيام الانتداب البريطاني ، على يد القائد الشهيد عز الدين القسام، والذي يمثل في أدبيات الثورة الفلسطينية الماضية ، والحاضرة أحد أهم نواة الثورة، والمقاومة التوعوية، والمسلحة، واستمر عمل التيار الإسلامي بعد 1948على تأسيس الفكر، والروحانية في العقل، قبل حمل السواعد للسلاح.


المقاومة بعد عام 1948م:

دخلت المقاومة الفلسطينية طوراً جديداً بعد حرب 1948، فقد أصبح لزاماً عليها مقاومة دولة ذات مؤسسات أمنية وعسكرية، بعد أن كانت تقاوم عصابات صهيونية مدعومة من قبل الاحتلال البريطاني.
ومن الصعوبة بمكان تقسيم العمل الفدائي منذ عام 1948 إلى مراحل والوقوف على مخطط زماني دقيق يمكن على ضوئه إعطاء السمات البارزة والخصائص الواضحة لكل مرحلة.
مراحل اجتازها كفاح شعب فلسطين، منذ وقوع الاغتصاب الصهيوني لبلاده حتى اليوم، وفيها ارتبط الكفاح الفلسطيني ارتباطاً عضوياً ومصيرياً بالكفاح العربي، فكان الكفاح من أجل العودة والتحرير، يجيء من خلال الكفاح العربي، فكان أي عمل جدي لتحرير فلسطين، يجري عن طريق العواصم العربية، ومن هنا ولدت جبهة إنقاذ فلسطين.
ومن الأمثلة على الكفاح العربي الذي أشرنا إليه سابقاً اتصال الإخوان المسلمون بعبد الرحمن عزام -أمين الجامعة العربية -وتم تكوين جبهة تسمى (هيئة وادي النيل لإنقاذ فلسطين) وكان أعضاؤها يمثلون مختلف القوى السياسية، وعقب قرار التقسيم، قامت الجماعة بتنظيم مظاهرة مصر الكبرى التي اشترك فيها أكثر من نصف مليون من جميع الطوائف، وخرجت من الأزهر.

كانت البداية  لإعداد الإخوان للكتائب القتالية الكتيبة الأولى بقيادة الشيخ (محمد فرغلي)، الذي أوجع العدو الصهيوني بهجمات متفرقة ومنظمة، جعلت الدول الأوربية الداعمة للاحتلال تتنبه لخطر الإخوان المسلمين على المشروع الصهيوني، ومن هنا بدأ التخطيط لاغتيال الشهيد حسن البنا رحمه الله.
وفى يوم 28 مارس سنة 1948 استشهد اثنا عشر من الإخوان في فلسطين في معركة مع اليهود حول مستعمرة (كفار ديروم)، واستمرت المعارك بين كتائب المتطوعين من الإخوان واليهود، وكانت هناك بطولات نادرة ممن وهبوا أرواحهم رخيصة في سبيل الله.
واستمرت هذه التحركات لاقتناص جنود العدو وذخائرهم مما أزعج اليهود كثيرا من المتطوعين.
شهدت ولادة العديد من المنظمات منذ عام 1961 إلى عام 1964 وفيها أرجأ العرب الفلسطينيون رفع شعار (الوحدة) وألقوا جانباً شعار (طريق العودة طريق الوحدة) مما أدى إلى نشوء عدة منظمات فلسطينية خالصة، لأول مرة في ميدان الكفاح الفلسطيني منذ مولد قضية العودة عام 1948، بهدف تحرير فلسطين وإعادة أهلها إليها.
وقد بلغ عدد هذه المنظمات في عام 1964 ستة وثلاثين تنظيماً، ويرجع هذا التعدد إلى تشتت الشعب الفلسطيني بين الدول العربية، وشروط كل دولة.

مولد الكفاح المسلح:
استطاعت مجموعة من الشباب أن تحصل على السلاح، وتسللت إلى إسرائيل، وأثناء مباشرتها مهمتها هذه في الجليل الأعلى اصطدمت بدورية من جنود العدو، ووقع أول اشتباك مسلح بين الفدائيين الفلسطينيين، وبين القوات الإسرائيلية، استشهد خلاله الشهيد (خالد الحاج) وأسر آخر هو (حسين رمضان). وكانت هذه المعركة التي سقط فيها أول شهيد للثورة الفلسطينية الحاضرة في 2 ـ 11 ـ 1964، وعلى أثرها أخذت هذه المجموعة تنظم صفوفها واتخذت فيما بعد اسماً لمنظمتهم هو (شباب الثأر)، وبعد ذلك بدأت مرحلة ميلاد الحركات الفلسطينية تباعاً فكانت:
-حركة التحرير الوطني الفلسطيني -فتح.
-الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
-الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
-حزب الشعب الفلسطيني -الحزب الشيوعي الفلسطيني سابقا.
-جبهة النضال الشعبي.
-جبهة التحرير الفلسطينية.
-الجبهة العربية الفلسطينية.
-منظمة الصاعقة
-جبهة التحرير العربية.
-حزب الاتحاد الديمقراطي الفلسطيني -فدا.
-حركة المجلس الوطني الفلسطيني للاجئين في السعودية.
-الجبهة الشعبية-القيادة العامة
-جبهة تحرير فلسطين أبطال العودة
-حركة المقاومة الإسلامية حماس
-حركة الجهاد الإسلامي
-حركة الأحرار الفلسطينية

ومن الملاحظ أن بداية العمل الفدائي العسكري لفصائل منظمة التحرير، والفصائل خارج المنظمة، كان بعد مشوار طويل من العمل الجهادي الفردي والشعبي الفلسطيني، والعربي، وحركة الإخوان المسلمين، أي منذ 1920، وقبلها حتى عام1965م، وكانت فترة زاخرة بالأعمال النضالية التي أوجعت العدو الصهيوني، وعرقلت وحدّت من مدى تأثير الحركات الصهيونية، أملا في تحرك عربي رسمي، أو شعبي عام.

وقد بدأت فكرة تأسيس منظمة كفاحية فلسطينية تتوارد في رأس ياسر عرفات منذ سنة 1956، أي بعد العدوان الثلاثي على مصر، وقد شاركه في بلورة الأفكار الأولى خليل الوزير (أبو جهاد)، وفيما بعد صلاح خلف (أبو إياد)، والواضح أن مؤسسي حركة (فتح)، في معظمهم، هم من اللاجئين الذين وفدوا الى قطاع غزة بعد سنة 1948، أمثال محمد يوسف النجار (أبو يوسف)، وسليم الزعنون (أبو الأديب)، وخليل الوزير (أبو جهاد)، ويحيى عاشور (حمدان)، وفتحي البلعاوي وآخرين، ومعظم هؤلاء أيضاً بدأوا حياتهم السياسية في حركة الإخوان المسلمين.

إن نشوء حركة فتح، وجماهيريتها كانت بالأساس ردة فعل ضد تآمر الأنظمة العربية، وأصبحت عنواناً نضالياً بالكوفية والياسر للشعب الفلسطيني، وحققت مع باقي الفصائل الإنجازات على الساحة الفلسطينية والعالمية بالاعتراف بالشعب الفلسطيني، وأصبح أبو عمار رمزاً للثورة المعاصرة حتى استشهاده، ولكن هل سيتحول وجود فتح على الساحة الفلسطينية بدولتها حالة عربية تابعة؟ وهل ستسلم فتح أن تصبح القضية الفلسطينية ورقة تجارة ترويجية لوطنية تلك الأنظمة؟

لا أحد يشكك بوطنية فتح، ولا باحتوائها لتناقضات بشرية ضخمة في صفوفها، ولا أحد يدعي أن له الأفضلية على القضية الفلسطينية دون الاخر، فكما قال أحد المحللين (لا انتفاضة دون فتح ولا سلام دون حماس).

بناء على ما سبق من استعراض مختصر لتاريخ النضال العربي، والفلسطيني، وما تشهده الساحة الفلسطينية من انقسام واضح يتعلق بمنهجين مختلفين للوصول لهدف التحرير، أدى لانقسام فصائلي حيث نهجت أغلب فصائل منظمة التحرير بقياد فتح طريق الحل السلمي الذي كانت قبل سنوات معدودات تعتبره خيانة للوطن، ودماء الشهداء، وللأسف أصبح كل من يعارض هذا النهج خارجاً عن الإجماع الوطني كأن الاجماع الوطني محصور برؤية من بدأ نضاله أولاً، وهذا يخالف كل معطيات الواقع والماضي.
فلا يصح تاريخياً وحجماً على أرض الواقع لفصيل مثل فتح أن تتفرد بالقرار الفلسطيني، وتقود الشعب الفلسطيني تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب نحو حلول واجتزاءات لحلول، رغم لا مبالاة العدو الصهيوني، وهدمه حلم الدولة على أرض الواقع وبقائه رناناً في الشعارات والخطابات.

لا ينكر عاقل حجم تضحيات حركة فتح، وشهدائها في كل مكان تواجدت فيه، ولكن التضحيات السابقة لا تشكل معبراً أخلاقياً لها لتفرض على الشعب الفلسطيني سلاماً مهيناً، وافتخارا لقادتها بالتنسيق الأمني المقدس، وملاحقة للمقاومين في كل مكان.

حركة فتح ذاقت طعم السلطة، وبنت دولة وهمية في مدن الضفة تدافع عنها، مغمضة عيونها عن تجوال سيارات جيش الاحتلال تحت نوافذ وزاراتها، والمؤسف: قبول حركة تاريخية مثلها لقادة يعتذرون للمحتل تارة، ويعزونه تارة أخرى بقتلاه وموتاه، ويفتخر بعضهم بحماية أمنها كواجب تفاوضي موقع على ورق يرفضه جل الشعب الفلسطيني، والكثير من قادة فتح.

يقول الكاتب رجب أبو سرية: “لا يسير التاريخ وفق مهارات الأفراد الخارقة، أو أهوائهم أو قدراتهم، حتى وإن كان لهم تأثير على صنع الأحداث” لذلك، لا بد من القول إن عهد منظمة التحرير الفلسطينية، وفصائل العمل الوطني التي توزعت بين يسار اشتراكي ويمين وطني، وصل إلى خط النهاية، وإن عهد الفصائل والقوى ذات البعد الإسلامي قد بدأ ومنذ عقود، فحركة حماس التي تعد أكبر وأهم فصيل سياسي فلسطيني ديني أو وطني إسلامي، فإنها هي الجديرة والمؤهلة لخلافة “فتح” في قيادة الكفاح الوطني الفلسطيني.
ترهلت حركة فتح، ومعها كل الفصائل، فيما نضجت حركتا حماس والجهاد الإسلامي سياسياً، بعد ثلاثة عقود من ممارسة العمل الوطني بامتياز، كانت “فتح” خلال تلك العقود تتحول، بشكل حثيث ومتواصل، من حركة تحرّر إلى حزب حاكم بيروقراطي، في إدارة سلطة الحكم الذاتي، في حين حماس كانت تراكم خبرة الكفاح الوطني بمقارعة إسرائيل بالمقاومة وتبادل الأسرى، ثم في المقاومة الشعبية السلمية في هذه الأيام، فكان نموذجها الشعبي السلمي متمثلاً بمسيرات العودة الكبرى على حدود قطاع غزة، ولذلك، حين شاخت (فتح) نضجت (حماس)، ولا عزاء للزمن.

هذا هو حال الدنيا، حيث تشبه قيادات حركة فتح الآن قيادات العائلات، والوجوه التي كانت محسوبة على كل أقطاب العمل القومي، وصارت منظمة التحرير الفلسطينية تشبه الأردن قبل عام 1965، وحيث تعجز السلطة عن دفع إسرائيل لتقديم أي تنازل، ها هي حركة حماس تجبر إسرائيل على معاملة الند بالند، وعلى تقديم الاقتراحات المتتالية، من نمط وقف مسيرة العودة في مقابل كسر الحصار، أو الدخول في صفقات تبادل الأسرى، كل هذا لأن لدى “حماس” أوراق قوة وضغط، أما سلطة “فتح” فليس لديها سوى الأجهزة الأمنية التي لم تعد إسرائيل بحاجة لها، كما أن شرعية حركة فتح لم تعد ذات قيمة، فإسرائيل نفسها أغلقت باب التفاوض؛ لذلك ربما كان الآن من المصلحة الفلسطينية الوطنية العليا أن يجري تداول حقيقي للسلطة، أو بمعنى أدق للقيادة، من شأنه أن تتولى (حماس) القيادة، وهي التي تمتلك القوة العسكرية والقدرة على حشد الجماهير في الكفاح الشعبي السلمي، أو على الأقل إجراء انتخابات يقول فيها الشعب كلمته، ويسلم قيادته لمن يريد، فعلى أقل تقدير تتم مكافأة الشيوخ من مناضلي العمل الوطني ضمن صفوف(فتح)، وأخواتها من قياداتٍ بلغت سن النضج السياسي، لكنها ليست شائخة.
وهل يجوز لفصيل فلسطيني حاكم يدعي قيادة العمل النضالي، والثوري، والسياسي ،ويتباهى بحرصه على الشعب أن يعاقب أكثر من مليون فلسطيني في قطاع غزة حصاراً وتجويعاً، فمن يغفر للرصاصة الأولى أن تطلق على صدر شعبه بدلاً من أن تكون موجهة للعدو التاريخي للشعب الفلسطيني.
الحالة الفلسطينية الراهنة تحتاج للكل الفلسطيني مجتمعاً، والمساهمة الوطنية في صياغة ميثاق وطني فلسطيني يؤكد على الثوابت، والحقوق الفلسطينية بعيداً عن الفئوية، والانغلاق خلف رؤًى لحلول مفروضة سلفاً على الشعب الفلسطيني.
ويجب الأخذ بيعين الاعتبار الوزن الفعلي لفصائل منظمة التحرير، إذ لا يصح أن يكون قرار فصيل لا يمثل 1% من الشعب الفلسطيني ملزماً للغالبية، وهنا يجب إعادة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية على قاعدة جديدة تشمل الطيف الفلسطيني مجتمعاً ، ولكن بتمثيل يضمن الحضور الفاعل لفصائل، وحركات لها وزنها في الساحة الفلسطينية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.