ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

لئلا نُسقِطَ القدوات

أثار موضوع الانتقادات التي وجهت لتصريحات (عائض القرني) الأخيرة التي أعلن فيها اعتذاره عن مرحلة (الصحوة الإسلامية) وإيمانه بالإسلام الذي نادى به (محمد بن سلمان) ولي عهد السعودية، أثارت تلك التعليقات الناقدة جدلًا بين أهل العلم والدعوة في الموقف منها.

البعض يرى أنه لم يكن ينبغي نشر هذه الانتقادات لأن نشرها سيؤدي إلى اهتزاز صورة العلماء أمام العامة، وضعف الثقة بهم، وإسقاط القدوات، وحرمان الناس من الاستفادة من علم ذوي العلم منهم.

ويرى آخرون نفس الرأي لمبرر آخر، وهو أن الواجب تجاه هؤلاء، وخصوصًا من كانت له سابقة خير وصلاح منهم، هو إحسان الظن بهم، إذ قد تكون تصريحاتهم نابعة عن إكراهٍ مُلجئٍ، وقد أباح الإسلام للمكرَه المُضطر النطقَ بكلمة الكفر، فانتقادُهم وجلدُهم – بألسنةِ الناس وأقلامِهم – فيه ظلم لهم، وتقديمٌ لسوء الظنّ بحقّهم.

ويرى فريق ثالث أن الواجب يقتضي التحذير من هؤلاء، لأنهم في مواقفهم يساهمون في إضلال الناس وصرفهم عن طريق الحق، فيجب فضحهم وكشف زيفهم.

فما الموقف الصحيح من هذه القضية؟

الذي أراه أن نشر أخبار المواقف السلبية لهؤلاء العلماء والدعاة يتضمن عددًا من السلبيات وعددًا آخر من الإيجابيات، وكل فريق من أصحاب الآراء السابقة نظر إلى جانب من هذه السلبيات أو الإيجابيات، ونحن معنيون بمقاربة نحاول من خلالها تحقيق الإيجابيات المنشودة، مع التخفيف – قدر الإمكان – من السلبيات الناتجة.

ولتقريب الصورة فلنتخيل (عملية نشر هذه الأخبار) كـ (تناول الدواء) لمعالجة (مرض) ما، إذ – كما نعلم – لا يكاد دواءٌ يخلو من آثار جانبية سلبية ترافقه، ولكن الضرورة تفرض أحيانًا تحمل هذه الآثار لعلاج المرض، ويمكننا من خلال هذه الصورة المتخيلة لمقارنة عملية (النشر) مع (تناول الدواء) أن نذكر في نقاط أهم الملاحظات التي قد تساعد على استجلاب الإيجابيات المنشودة وتحقيق المصالح المرجوة، وتقليل السلبيات التي نخشاها، وإبعاد المفاسد التي نخافها.

أولًا: ليس بالضرورة أن نتناول الدواء كلما أصابنا الألم، إذ لو كان بالإمكان تجاوز الوجع والمرض دون الاضطرار لاستخدام الدواء فهذا هو الخيار السليم.

وهكذا؛ فليس بالضرورة أن نلاحق كل موقف سلبي سقط فيه عالم أو داعية في هفوة أو زلّة، فبعض الزلات لم تنتشر بين الناس، ولم يعرفوها، ومسارعتنا لنشر انتقاد لها سيتضمن نشر خبرها لكثيرين ممن لم يكونوا قد سمعوا به، بينما في بعض الحالات، كحالة (القرني) في تصريحاته الأخيرة، والتي كانت في برامج تلفزيونية منتشرة، واحتفى بها أعداء الإسلاميين وتناقلوها واعتبروها أمرًا جديرًا بالإشادة به، لا يمكن لأهل العلم والدعوة أن يسكتوا عن بيان الموقف الصحيح من مثل هكذا تصريحات ومواقف.

ثانيًا: إذا تسبب تناول دواء ما بآثار جانبية سلبية، مثل أن يسبّب نقصَ نوعٍ ما من الفيتامينات، وكنا نستطيع علاج هذه الآثار، عبر تعويض هذا النقص في الفيتامينات، فإن ذلك واجبٌ لا ينبغي تركه.

وهكذا، فلا شكّ أن نشر مثل هذه المواقف السلبية لهؤلاء العلماء سيؤثر على صورة أهل العلم عند الناس، وقد يجعلهم ينفرون من كل العلماء، وهذا تأثير جانبي سلبي لا يمكن إنكاره، ولكن علاجه ممكن، وذلك عبر نشر المواقف الإيجابية للعلماء الربانيين حتى تكتمل الصورة، مع بيان أن العلماء الربانيين الصادحين بالحق كثرة متوافرة، وإن غاب صوتها بسبب طغيان الطغاة، ولذلك فينبغي لكل كاتب ينتقد سلبيات (المتخاذلين) أن يُذَكّرَ في أثناء كلامه بالصورة الأخرى للعلماء لئلا ينفر الناس من العلماء ككل، بل إن التركيز على مواقف الثبات للعلماء الربانيين يجب أن يأخذ مساحة أكبر، لأن الجهة الوحيدة التي تنشر مواقفهم هي من يؤمن برسالتهم من أهل العلم والدعوة، بينما تعمل وسائل إعلام السلطة في الدول كلها على محاربة أخبارهم والتعتيم عليها.

ثالثًا: ولئلا نظلم من قد يكون صالحًا في نفسه، ولكنه مكرَهٌ مضطرُّ لما قام به، فقد يكون من الجدير الإشارة إلى احتمالية التعرض للإكراه، والتذكير بسيوف الطغاة المسلطة على الدعاة، وإن كان ذلك لا يجدي في الحالات التي يكون من الواضح فيها أنَّ عاملَ الإكراه مستبعدٌ، كحالة المدعو (وسيم يوسف) في الإمارات.

رابعًا: ولأننا لسنا نملك الحكم على ما في قلوب الناس، ولأننا لا يجوز لنا نصدر عليهم الأحكام بدخول الجنة أو النار، إذ علم ذلك عند الله تعالى وحده، فالواجب لمن ينتقد تصرفات هؤلاء أن لا يصدر عليهم الأحكام النهائية بدخول النار أو سوء الخاتمة، بل يدعو لهم بالهداية والصلاح، إذ صلاحهم ورجوعهم إلى الحق فيه خير للأمة والناس.

الذي أراه أننا لو أخذنا بهذه الضوابط عندما يكون هناك موقف (سلبي) من أحد الدعاة أو العلماء فسنحقق الجزء الأكبر من الإيجابيات التي نريد، مع تجنب أكبر قدر من السلبيات التي نخشى.

م. عيسى خيري الجعبري

7/رمضان/1440 هـ، 12/5/2019م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.