ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

هل نتهاون ونسمح لأطفالنا بـ “صومة العصفورة”؟

الحالة الأولى:

– “ماما”؟

– نعم حبيبي.

– كثير من أولاد صفي في المدرسة كانوا صائمين اليوم، لماذا لا أصوم مثلهم؟.

– أنت ما زلت صغيراً، وأنا أخاف عليك.. عندما تصبح في الصف السادس سأتركك تجرب الصيام.

– لا يا أمي، غداً أريد أن أصوم مثلهم.

– لن تصوم يا حبيبي إلا بعد أن تكبر حتى لا تسبب لنفسك ضرراً.. هل فهمت؟.

– لماذا يا إيمان لا تدعي الولد يجرب الصيام؟ ماذا سيحدث له لو صام غداً؟ هو لن يموت إن جاع وعطش قليلاً.

– انسى الموضوع يا سمير، ودعني أتفاهم مع ابني ولا تجعله يتمرد علي، عندما يكبر سيشبع صياماً وسيحج إن أراد أيضاً.

الحالة الثانية:

– أمير.. أنا قلقة بشأن آية، أصبح عمرها سبع سنوات وحتى الآن لا تستطيع الصبر على الجوع والعطش، أخشى أن لا تتعود على الصيام فتشبّ على المعصية، أنا لا أتصور أن يكون من بين نسلي أناس غير صالحين! أفكر أن أجبرها غداً على الصيام، ولن أرضخ لإلحاحها بأن أتركها تُفطر.. يجب أن تشرع ابنتي في تَعُلم الصيام، فهي لم تَعُد صغيرة.

– أُفَضِّل يا ريما لو تحببي إليها الصيام بدلاً من الإجبار، وتقنعيها بهدوء بأن تجربه، ولو حتى لو أنها تصوم “صومة العصفورة”، فابنتنا ما زالت صغيرة وهي غير مكلفة بالصيام بعد.

– حسناً، سأحاول إقناعها وتشجيعها على التجربة.

– وأنا بدوري سأتحدث إليها بالموضوع الليلة، وسآخذها معي إلى السوق غداً مساءً لتشتري قطايف إن صمدت حتى المساء تشجيعاً لها.

– فكرة جيدة.. آمل أن تنجح معها.

******

كثيراً ما تشغل قضية تعويد الطفل على الصيام الأهل، منهم من يلجأ إلى إجبار الطفل على الصيام برغم صغر سنه، ومنهم من يتهاون في تعويده على الطاعات، بل يصل الحال بالبعض أحياناً إلى إجبار الطفل على عدم الصوم، ومنهم من يأخذ جانب الحياد فلا يتدخل، ويترك الأمر برمته لرغبة الطفل. ونعلم جميعاً أن هناك تبايناً كبيراً بين الأطفال في الصبر على الصيام وفي الرغبة بتجربته، حتى بين الأخوة داخل الأسرة الواحدة. وتختلف القدرة على الصيام من طفل إلى آخر بحسب بنيته الجسدية، ودعم الأهل وتشجيعهم له، وقدرته على التحدي والصبر، والقناعات العقيدية المترسخة في ذهنه.

كانت النساء الصحابيات ” وهن القدوة لنا” يبدأن في تعويد أطفالهن منذ صغرهم على عبادة الصوم، وكنَّ يصنعن لأطفالهن ألعاباً من الصوف، حتى إذا بكوا جوعاً وعطشاً قدمن لهم الألعاب لينشغلوا بها حتى وقت الإفطار، كنوع من التصبير والتثبيت.

إذا بدأ الأهل في إعداد الطفل عقيدياً في وقت مبكر، فنلاحظ أنه يستجيب للعبادات حتى ما يحتاج منها للكثير من الصبر مثل الصوم، ولذلك أيضاً نجد في التاريخ الإسلامي أمثلة كثيرة لصبية أظهروا بطولة فريدة في الجهاد والدفاع عن دينهم وديارهم برغم المشقة الكبيرة التي يتطلبها الجهاد..

من المهم إضفاء جو رمضاني داخل البيت قبل حضور الشهر الكريم، وتعريف الطفل بالصيام وإعداده نفسياً عبر الحديث عن الصيام وأجره، وحلاوة الطاعات وأهميتها، وإشراكه في اختيار المأكولات التي يحب تناولها، واختيار الهدية التي يرغب بها تشجيعاً له على الصوم، ومقارنته بالصحابة والتابعين والفاتحين والقادة المسلمين، وإذا تعب الطفل الصغير غير المكلف شرعاً ولم يستطع إكمال صومه، لا ضير في أن يكتفي بصومة العصفورة، دون أن نقوم بتأنيبه على ذلك، والتقليل من شأنه والاستهزاء بقدراته.

تعويد الطفل على الصيام يحتاج للكثير من الجهد والصبر والتشجيع والدعم من الأهل بالإضافة إلى المرونة في التعامل معه، حتى ينشأ على طاعة الله عز وجل. عدا عن حاجته لقدوة يقتدي الطفل بها ويسير على خطاها.

د. زهرة خدرج

كاتبة فلسطينية

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.