ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تصفيد الشياطين في رمضان

ها نحن نعيش في اللحظات الغالية والدقائق العظيمة من شهر مبارك تُضاعف فيه الأجور وتتنزل فيه الرحمات وتمحى فيه الزلات  وتُعتق فيه الرقاب من النار ، وما أعظمها من منة ربانية وكرم إلهي ، شهر اختصه الله من بين الشهور كلها لينزل فيه أعظم كتاب عرفه الوجود , منهاج سعادتنا في دنيانا واخرتنا ، يحوي كلام ربنا ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) ، واختصه من بين الشهور لأداء ركن عظيم من أركان الإسلام  ألا وهو الصيام  تلك العبادة الني فرضت على كل الأمم التي سبقتنا ، بها تتقوى الإرادة ويملك المرء زمام أمره قيادة وريادة ،  وهي محطة ضرورية لقيادة الواقع بتجليات الروح وافاقها ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) وهي بتلك الخصيصة نالت اختصاصا في الأجر فقال الله كما في الحديث القدسي (الصوم لي وأنا أجزي به)

وإن ما لا يخفى على أعين الناس أن المساجد تعمر بروادها في رمضان مالا تعمُر في غيره ، وأن الأقبال على العبادة فيه ملحوظ لكل صاحب بصر ، ثم يتسائل المرء عن سر ذلك التفلت في رمضان من قيود الشهوات المستعصية طوال العام ، ليبحث عن كنه التحولات العابرة المترافقة لتحولات كونية كبرى تفتح فيها أبواب الجنة وتغلق فيها أبواب النيران ، أهي الغنيمة البارقة ؟ أم خوف ترغيم الأنف بالوحل والطين وقد قالها جبريل عليه السلام وأمَّن محمد عليه السلام ، أم هي العادة والتقليد ، وعندما تمعن النظر تجد أن فُرصا ووعيدا قائما يمر طوال العام يتغافل عنه كثير من الناس ، لكن سرعان ما تتحقق استجابتهم لها في رمضان، وأن عادة لا يمكنها أقتلاع الناس عن عادة سالفة  شهرا كاملا ، ثم تجد حديثا صحيحا تستأنس به إجابة شافيه ، ويكشف سرا من أسرار التحولات الرمضانية ، فلقد قال عليه الصلاة والسلام ( إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب جهنم وسُلسلت  الشياطين ) متفق عليه . وفي رواية ( صفدت الشياطين ومردة الجن )

لقد جاء الإسلام ووسع مداركنا وعرفنا على عوالم خارج إطار المادة المشاهدة ، لها تأثير في حياتنا وتقلباتها ، وهي من عوالم الغيب التي لا يُمكننا الخوض فيها أكثر مما وصلنا وحيا ، كعالم الملائكة والجن ، وقد قال عليه السلام أن مردة الجن تصفد في رمضان وتُسلسل ، وهنا لا عبرة في النقاش عن ماهية التصفيد إن كان محمولا على الحقيقة أو المجاز، لكننا نلمس أثر ذلك فيما لا يتناطح فيه اثنان ، لكن ذلك لا يعني انعدم الشر بل ضعفه ، خاصة ان النفس أمارة بالسوء ، وهي مجبولة على شهوات وشبهات لا رادع لتجاوزها إلا صريح الإيمان والتقوى ، وعلى قول من قال من أهل العلم أن التصفيد يكون لمردة الشياطين لا لكليتهم ، فضلا عن عملها طوال أعوام مما يترك أثره في سلوك الإنسان وإن صفدت في شهر .

لكن هنا لا ينبغي الإغفال عن شياطين الإنس الذين يعملون ليلا و نهارا على حرف بوصلة القلوب نحو خالقها ، يتمثلون في حُكام وأنظمة عززت الرذيلة  وأَسَرَت الفضيلة ، وفتحت المجال واسعا لمن يعاكسون تيار الإيمان ليصدوهم عن سواء السبيل ، لكن مع كل ذلك تبقى الفطرة أقوى من خذلانهم لها ، تصفعهم مع شياطين الجن  في كل رمضان عبادة وطاعة وقياما وقراءة للقران وصياما ، لكنها سنة المغالبة التي تفرض على المصلحين مضاعفة جهودهم واغتنام شهر التصفيد لتثبيت مكتسبات ايمانية جديدة كل عام في واقع الناس وسلوكهم ، نحو تصفيد ما أمكن من شياطين الإنس ليصبحوا شرذمة منبوذة فتحلوا الحياة بربيع أينع من الإيمان ، تثبيتٌ لا تزعزعه لحظات انفكاك تصفيدٍ ولا مكرُ الليل والنهار

ولعل من أبرز ما ينبغي تعزيزه في القلوب  جذوة التقوى ، فهي ثمرة رمضان المرجوة ، أن يَنبني في النفس أساس متين يحول بينها وبين غضب الله ،  وقد قال الصدِّيق عليه السلام ( أطوع الناس لله أشدهم بغضا لمعصيته ) وهو معنى نفيس ، لأنك تجد من يُكثر من الطاعات  بأشكالها لكنه ضعيفٌ أمام مقاومة المعصية عند توفر أسبابها ، ورحم الله سهل بن عبد الله التُستَري حيث قال ( أعمال البر يعملها البَر والفاجرُ ، ولا يجتنب المعاصي إلا صِدِّيق ) وهذا مقام ليس بالإمكان تحقيقه إلا من خلال تعميق معاني الإيمان بالله رغبة ورهبة ، تقوية للعقيدة أولا ، لتنطلق النفس المؤمنة بعدها لتبحث في شريعة ربها عن كل ما يرضيه ويحول دون غضبه

وختام القول ، إن كانت شياطين الجن مصفدة في شهر ، فهي سرعان ما تفلت من عقالها ، والطامة حينئذ العود من حيث البدء وكأن أمرا لم يكن ، فالعمل على تثبيت الإرتقاء في الدرجات كل عام لعمري لهو النجاة ، حتى لا نكون مثل التي  نهانا الله تعالى عن حالها ( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.