ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

تعالوا جميعا نتمرد…!

تعالوا جميعا نتمرد…!

نحن أمام واقع صعب وتحديات كبيرة، لا تسألوني عن السبب لأن السبب ناصع كالدنس على البياض.
إن ما نواجهه اليوم من تقاعس فكري وتخلف عن الركب الحضاري لسببه الرئيسي أصحاب العقول العفنة الذين لا يفترون عن محاولة تعطيلنا وكبح جماح عقولنا وعرقلتنا عن التقدم، مع غصبنا على العيش في المتحف، هذا وإن من نحن بصدد الحديث عنهم أناس يتشبثون بالماضي يَتَغنّونَ بأحداثه، ينبذون الحاضر متهجمين على ذويه، سابين للمستقبل لا يجيدون إلا تخمين المساوئ عنه، وهذا ليس بغريب على زمرةٍ دأبت على تعطيل عقولها تسكن في ربوع الماضي ذهنيا ولو كان باستطاعتها لقطنت جسديا لكن هيهات، فمن يمارس التضخم الذاتي وصنع تجربة لم يستمر فيها لعدم إبداعه حين اتبعها ليس له من بدّ إلا أن يحاول تقييد الجميع ظنا منه أن الفشل يُوَرّث!
آباء وأمهات، الأناس الكبار الذي من المفترض أن يكونوا عونا، تلك النخبة الموقرة هي من نحن بمواجهتها، فهي التي تحاول تكبيلنا وتغييبنا عن الواقع والإعمار، عن التطور وعن مواكبة العصر، هذه الزمر هي التي تمنعنا من القيام بما نجد أنه ملائم لنا ولمستقبلنا، هم من نحاول جاهدين جعلهم يستوعبون أن الأزمنة مختلفة وأن لنا زمان غير زمانهم، وأن يكونوا أصحاب نظرة عميقة وحكمة مما هم عليه، فهم من تأهلهم مكانتهم للتميز والحنكة لأنهم عاشوا في حقبتين مختلفتين حقبتنا وحقبتهم، وهذا من المؤهلات للرشد وعمق النظرة، لكن أن يمحقوا حاضرنا ويزكوا ماضيهم ساعين في أن نعيش كما عاشوا ونحنُ مرغمينَ على ما لم نحط به سنا، غير قابلين منا أي تصرف ليس معهودا عندهم أو غير معروف عند غيرهم من أهل الحقبة الذهبية تلك والممجدة كما يزعمون.
إننا أيها الإخوان انقسمنا إلى صنفين، الأول:
استكان مستسلما لأعداء التحضر والإعمار مرغما، أو مغيبا عن الأحداث، لا يهم ولكنه خضع وأقنِع أن حقبة السلف عين النعمة وأن ما ورد لنا منذ أمد كنه الحق ولا حق يعلو عليه، وأن الآباء خير من الأبناء إلى يوم يُبعثون، وأن سليمان أفتى بأمر من أبيه حتى أنه ببركة أبيه ومراده أصاب!

والصنف الثاني:
هو صنف منبوذ غير مقبول في المجتمع، لجراءته اللا معهودة فهو “كافر” لعدم إذعانه للموروث، و”زنديق” لخروجه على العادات الساذجة والتقاليد المقيدة للفكر وللذات، “ضال” حين رفض السير مع القطيع سانا طريقا لنفسه، أرضيتها العلم المدقق وكلام الله اللا “مفبرك” متخذا “لماذا” و “ولكن” و “لعل” مؤنسات له في الطريق الموحش المليء بالمخاطر والعراقيل لسلاكه القلائل..
إن هذين الصنفين دون ريب لا يجتمعان فالصنف الأول أكثر قبولا من طرف ذويه مجذولا به اجتماعيا لأنه بلا مشاكل وبلا طموح في التغيير أو التغير، لا نصيب له في التأثير، و الصنف الثاني من المغضوب عليهم لضلالهم عن هدي المجتمع، وإدراكهم أن الكثرة جاءت مرادفة ب “لا يؤمنون”، “لا يشكرون” ولعل الصفات التي أكثر الناس بها ملاصقة أنهم “لا يعلمون” و “لا يؤمنون”، فالعلم مرتبة رفيعة يخشى الله من بلغها ولا يصلها كل من هبّ ودب، والإيمان الصادق لا بد من إرفاقه بالعلم ومعرفة الله لقوله: ((الرحمٰن فاسأل به خبيرا)) و “به” بمعنى عنه في اللغة وهم لا يسألون لأن ظنهم أن ما عندهم عين الصواب وأن العلم يورث فالإسلام لا يعرفون عنه غير أنه دين اعتنقه الأجداد ويجب السير عل نهج السلف، وحين يسأل أحدهم: ما هو الإسلام؟ ولمَ ندين به؟، يشحب وجهه ويقول لك ناصحا أو قل عنه: محذرا: “احذر الردة، هذا النوع من الأسئلة لا يجوز. لا تطمئن أذن المتلقي فكيف بعقله!؟
إن الخطاب الإقصائي والنظرة للآخر باحتقار والظن أننا شعب الله المختار وأن سوانا لا يستحق الحياة لهو السبب الذي به حلت اللعنة على بني إسرائيل وغضب الله عليهم، تلك العنصرية المقيتة والسب للآخر والادعاء عليه بأنه هو سبب كل سوء يحل مع تبريئ نفوسنا وتغييبها عن علة ما يحدث من تكاسل وتراجع وتخلف وركود، وهذا وباء الآباء قبل الأبناء، نعم فمن منا يستطيع أن يقف صادعا بالحق معترفا به منصفا للآخر محترما له؟ أين؟ لا يوجد وإن وجد عقابه أقرب من حبل الوريد وإقصاؤه وتنكيد حياته هما المكافأة، هذا هو ما يحدث في أراضينا وهو ما يتشبع به جل آبائنا ووباء مجتمعاتنا لأن البعض جزء من الكل كما أشرت.
إننا قرائي الأعزاء أمام معضلة عضال، ومعسكر أراد الله أن يكون منا ونحن منه، التملك والتغييب جعلنا نصيح بصوت عال، في صداه تكمن المأساة وفي عباراته يتدفأ التمرد وعدم الرضى، فنحن بحاجة ماسة إلى مراجعة أنفسنا والتخلي عن الثقافة الإتباعية من أجل نتاج محض أذهاننا وعلوم من كنه تجاربنا لأن المشكل يكمن فينا والحل وليد تأملنا فمتى نتأمل كي نتعلم؟ كما أننا بحاجة لضبط أهدافنا وقول “لا” في الوقت الذي تستأذن “نعم” بالتدخل لإسدال الستار على أحلامنا واهتماماتنا وقيمنا وكل ما اكتسبناه من معارف وتجارب تؤهل لاستقبال غد أفضل بعيدا عن أهواء الآباء وتكبيل المجتمع ونظرته السوداوية المتعالية لجيل اليوم، ولكن لأجل ذلك لا بد للوصول إلى شاطئ الأمان والسلام والعلم والمعرفة من المواجهة والحوار وعدم إقصاء الآخر، والأخذ بنصائح السلف وخبرات الخلف مع تجاهل ما يؤول للتقييد والعراقيل لمن يهم بالانطلاق إلى عالم مشرق مليء بالحب والاتزان، وتقبل الآخر والتفكير العميق، لتحقيق المعجزة والوصول للهدف المنشود لا بد من مواجهة مخاوفنا وعرضنا صفحا عن تحبيط أولياء أمورنا والتمرد على التقاليد والخزعبلات والأساطير الاجتماعية المعادية للرقي والتقدم..
فتعالوا جميعا نتمرد على ما يعيب الصورة الجمالية التي رسمناها بريشة جماعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.