ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

رمضان والنصر الذي نريد

 

ارتبط شهر رمضان في الوجدان الديني الإسلامي بـ (النصر) ارتباطًا وثيقًا، فمنذ أن كانت أهم معركة في تاريخ الإسلام، تلك المعركة التي كانت فرقانًا بين الحق والباطل، معركة بدر الكبرى، وانتصرت فيها القلة المستضعفة المؤمنة على الكثرة الباغية، وتتابعت بعدها معارك فاصلة على طريق النصر في رمضان، صار الانتصار مَعلًمًا بارزًا من معالم هذا الشهر الفضيل.

وفي أيامنا هذه، وفي ظل حالة الهزيمة التي تعيشها الأمة، ويحاول المخلصون من أبنائها الخروج منها، فإن أعينهم تتطلع إلى إعادة الأمجاد السالفة، وتزداد حسرتهم على الحال التي تعيشها أمتنا كلما أطلَّ علينا هذا الشهر الفضيل، إذ يذكرنا بالخيبة التي نعيش، فترى (البكائيات) و(الرثائيات) تتكاثر في رمضان، نبكي شوقًا لماضينا، وألمًا من حاضرنا، ونرثي لأوضاع أمتنا.

ولكننا بحاجة إلى أن نتجاوز مرحلة البكاء والرثاء هذه لنبحث عن الطريق الذي يجب أن نسلكه حتى نعيد لرمضان أَلَق انتصاراته.

روى الإمام مالك في الموطأ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ كَتَبَ إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ: أَنْ هَلُمَّ إِلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ سَلْمَانُ: إِنَّ الْأَرْضَ لاَ تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ.

لقد أراد أبو الدرداء تعليمنا درسًا مفاده أن (الأرض) عبارة عن (ظرفٍ) أو (وعاء)، أنت المسؤول عمّا فيه، فإذا ملأته بالخير كان ذلك نتيجة عملك، وإن ملأته بالشر فإن ذلك أثرٌ عما فعلتَ، وبالطبع فهذا لا يتضمن نفي أن لبعض الأراضين فضيلة تجعل العمل الصالح فيها أعظم أثرًا منه في غيرها، كما لبعض الشهور ميزة عن غيرها.

وكما أن (الأرض) ظرفٌ مكاني، فإن (الأيام والشهور) ظروفٌ زمانية، أنت الذي تملؤها بالخير أو الشر، بالنصر أو الهزيمة، بالرفعة أو الذِّلّة.

لم يتحقق النصر للمسلمين السابقين في شهر رمضان لأنه شهر رمضان فقط، فإن الشهور (لاَ تُقَدِّسُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الْإِنْسَانَ عَمَلُهُ)، وإنما كان النصر يتحقق في شهر رمضان وغير رمضان؛ لأن عوامل تحقيقه كانت متوافرة لمن حققوه.

وأول عامل مهم لتحقيق النصر على الأعداء، ذلك النصر الذي نبحث عنه ونسعى إليه، هو وجود النصر الآخر الذي نغفل عنه ولا نعطيه الأهمية اللائقة به، إلا وهو (الانتصار على النفس).

لقد انتصر السابقون من أمتنا على أعدائهم عندما انتصروا قبلها على أهوائهم وشهواتهم وتمسِّكهم بالدنيا الدنية، وهذا هو ما يميز شهر رمضان المبارك، أنه شهر نخوض فيه دورة تدريبية مكثفة لنتعلم فيها كيف ننتصر على أنفسنا، على أهوائنا وشهواتنا، وعلى جواذب الأرض، وكيف نرتقي إلى السماء بأرواحنا.

إن لم نتعلم من رمضان هذا الدرس، ونطبقه في بقية شهور العام، وإن بقينا أسرى لأهوائنا وللدنيا، إن لم نحقق النصر في داخلنا، فإن النصر الخارجي سيبقى بعيدًا عنّا.

انتصر المسلمون في معركة بدر في رمضان، لأنهم كانوا مستعدين لبذل الغالي والنفيس دفاعًا عن هذا الدين، وانتصروا لأن لسان حالهم كان يعبر عنه الصحابي (عمير بن الحُمام) الذي لما بشره الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة إن قاتل المشركين وقُتِل، ألقى التمرات اللواتي كُنَّ في يده، وقال: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، ثم قاتل القوم، وهو يقول:

ركضًا إِلَى اللَّه بغير زادِ
إلا التُّقى وعمل المعادِ
والصبرِ فِي اللَّه عَلَى الجهادِ

لقد كان ركضهم إلى الله بزاد التقى وعمل المعاد هو العامل الأهم في انتصارهم على أعدائهم.

فإلى الباحثين عن النصر في رمضان، أقول:

ابحثوا عنه في أنفسكم، ولا تبحثوا عنه في رمضان أو غيره، واستثمروا رمضان لتتدربوا على الانتصار على أهوائكم وشهواتكم، فإن فعلتم ذلك فستكون أيامكم كلها أيام نصر بإذن الله تعالى.

م. عيسى خيري الجعبري

3 رمضان 1440 هـ/ 8 أيار 2019م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.