ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

نَظَرِيَّـةُ الحُكمِ فِي الإِسلَام

نسأل أنفسنا دائماً ما هو شكل نظام الحكم في الإسلام و ما هي أدوات صياغة دستور الدولة وما هي المبادئ التي تُبنى عليها؟ فكلما أبحرنا في كتب التاريخ الإسلامي نجد في كل حقبةٍ وعصرٍ، طريقة حكم جديدة تختلف تمامـًا عن الحقبة التي قبلها، فتجد أن الإسلام قد خاض الحكم السياسي بعدة أشكال منها المملكة والخلافة والجمهورية بمصطلحها الجديد إذاً ما هو شكل ذلك الحكم و على ماذا تأسس؟ وهل كما يدّعي بعض المستشرقين؛ أن فشل الحكم الإسلامي هو النظام السياسي للإسلام؟ و السبب أنّه نظام تقليدي قديم لا يتناسب مع العالم الجديد أو الدولة الحديثة “دولة الديموقراطية”؟ وأنّه يعاني من انفصامٍ سياسي بسبب تغير شكله بتفاوت الحقب التاريخيّة؟ ظاهريـًا سنجد انفصاماً سياسياً ، ولكن باطنيـًا هو الاعتدال السياسي.

بعد سقوط الخلافة العثمانيّة في القرن الماضي بدأت أصوات عديدة في عالمنا العربي ترفض فكرة حكم الإسلام أو الإسلام السياسي بحجة عدم وجود نظريّة ثابتة للحكم في الدولة الحديثة حيث بدأ العالم الجديد بتحويل النظام الإسلامي إلى أيديولوجيا قابلة للنقد والتغير والإبطال حتى أصبحت المقارنة بين النظام الإسلامي والنظام البشري أمراً طبيعيـًا تمامـًا كالمقارنة المطروحة على الطاولة السياسيّة بين نظام الحكم الإسلامي ونظام الحكم الماركسي أو الإسلام الديموقراطي والاشتراكي.

السبب الرئيسي الذي شكل هذه الحالة هم المسلمون أنفسهم خصوصاً أُولئك الذين صاغوا نظريّة الحكم في الإسلام على أنّها نظريّة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، واستخدموا أيضـًا أدوات يتجاوز عمرها عشرة قرون لصياغة دستور الدولة. إذًا، نجد هنا أنّ هناك من استخدم نظريّة ثابتة للحكم وتاريخ قديم لصياغة دستور الدولة وللأسف الفشل كان عنوان تلك الجماعة.

ربما هؤلاء التقليديين هم من أتاحوا الفرصة للنقاد والمستشرقين بأنّ يتهموا الإسلام بالفشل السياسي مع الدولة الحديثة.

والحقيقة أنّ ما يميز الإسلام عن غيره هي تلك الحجة التي ترددها الأصوات الناقدة له، فإنّ نظريّة الإسلام في الحكم هي نظريّة مرنة، فلم يحدد يومـًا شكل الحكم بل جعله خياراً مطلقـًا للإنسان بناءً على طبيعة الدولة وثقافتها والعرف السائد فيها، و لكن ضمن قواعد وضوابط عامة ثابتة في نظريته المرنة، ولم يرفض الإسلام المملكة أو الجمهورية أو الخلافة ، كلّ ما في الأمر أنّه وضع قواعد ثابتة للحكم مثل العدل والمساواة والإصلاح والشورى و القيم الأخلاقية و التكامل بين الحاكم والمحكوم و سيادة الأمة و وحدتها وغيرها من تلك القواعد العامة التي هي اللبنة الأساسية لبناء الدولة فمثلًا :

العدل بين الناس (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) [النساء: 58]

الإصلاح بين الناس (أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) [البقرة : 224]

المساواة بين الناس (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجزات :13]

فلننتبه هنا على كلمة “الناس” فلم نحدد فئة ما (مسلمين أو نصارى أو ملحدين أو هندوس …)، تلك القواعد تطبق على الناس جميعا في أي مكان وزمان.

أما بالنسبة لأَولئك الذي قالوا إنّ الإسلام لا يتناسب مع الدولة الديموقراطيّة؟ لم يكن الإسلام يوم خصمـًا للديموقراطيّة بل على العكس فإنّ الديموقراطيّة والشورى والانتخابات والتعدديّة هي أُسس الحكم في الإسلام فالشورى قاعدة من أهم قواعد الحكم بل هي فريضة أمرنا بها الله عز وجل فقد جاءت بموضع مصاحب للصلاة في سورة الشورى الآية ٣٨ (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الشورى : 38 ] إذًا الحقيقة أنّ هناك قواعد وضوابط ثابتة لا تتغير ولا تتبدل لكنها لا تحدد شكل الحكم ودستوره القائم فهي فقط قواعد أساسيّة وضعها الله عزّ وجل بفطرة الإنسان وضبطها بالدين لتكون أساس الحكم.

ربما هؤلاء المستشرقين والنّقاد لم يبحثوا جيدًا عن تلك القواعد في بلادهم ذات الحضارة رغم أنّها سبب في تقدمهم وتطورهم

. نعم ظاهريـًا سنجد إنفصام سياسي، لكن باطنيـًا هو الاعتدال السياسي.. كل الاعتدال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.