ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

ماذا سأكتب عن الوطن؟

فدائي فدائي فدائي يا أرضي يا أرض الجدود فدائي فدائي فدائي يا شعبي يا شعب الخلود لا أستطيع إحصاء عدد المرات التي سمعتُ فيها هذه الكلمات، ولا أكاد أتذكر كم مرة طلبت منا المديرة أن نقف بعزٍّ وافتخارٍ لأجل النشيد الوطني والعلم المرفرف أمامنا، ولا أذكر كم مرة انهالت علينا عصا المعلمات المناوبات؛ لأنّنا لم نردد ألحان النشيد، ولم تكن رؤوسنا شامخةً كما يجب، أو لأنّنا نتحدث عن شيءٍ سخيفٍ في حضور الوطن ورايته!

علمونا النشيد ولم يعلمونا معنى الوطن، كنا نردد النشيد فقط لأنّه يجب علينا ذلك، نردده بتململ، نردده ونحن لا نفهم بعض الكلمات، لم نكن نأبه بذلك، فهذا فرض علينا وجزءٌ لا يتجزأ من البرنامج الصباحي الذي نبدأ به يومنا الدراسي. فكان ما نقوم به درأ للعقاب ونوعٌ من إسقاط الواجب في أغلب الأحيان.

الآن وبعد مرور ست سنوات على تلك المأساة التي تكررت لإثني عشرة سنة أقول: لا تحفظوا النشيد الوطني أو ترددوه فقط لأنّه فرض عليكم، ما جدوى حفظ النشيد وترديده إذا كنّا لا ندرك أصلا معنى الوطن؟ لا أذكر مرة أنّهم حدثونا عن الوطن في المدرسة، كبُرنا ونحن لا نعرف عن الوطن سوى ما ورد في كتب التاريخ كبرنا، لم نعرف عنه سوى الهزائم والتفتّت والتشتّت والانتقال من احتلال لآخر ، فكنّا لا نحفظ من الوطن إلّا أسماء الثورات وأسماء الشهداء، وأنّهم ضحّوا بأرواحهم وبذلوها لأجله، كان العمر يتقدم بنا شيئًا فشيئًا وأعداد الشهداء في ازدياد، فلم تعد كتب التاريخ تتسع لهم، ولا عادت عقولنا قادرة على حفظ أسمائهم ووقائع استشهادهم! لا زلتُ أذكر يوم طلبت منا المعلمة في إحدى حصص اللغة العربية أن نكتب عن الوطن، فاعترضتُ وقلتُ لها ألا يجوز أن نكتب في موضوعٍ آخر فقالت لا.

فصلت الأمر بكلمةٍ واحدةٍ وصار لِزامًا عليَّ أن أكتب عن الوطن، صار لِزامًا عليَّ أن أكتب عن شيء أشكُّ في أنّه يعرفني، لكنّني متأكدٌ من أنّني لا أعرفه، حدقتُ في الفراغ وأنا أهمس: الوطن، الوطن، الوطن، تردد في عقلي سؤال واحد: ماذا سأكتب؟ ماذا سأكتب؟ ربما كانت أول مرة أحتار فيها بكتابة بشيءٍ ما، كانت أشبه بحيرة العاشق الجاهل سره محبوبه، مضت ربع ساعة دون أن أكتب شيئًا حاولت أن أسترجع ما أحفظه من أبيات شعرية علّها تسعفني وتنقذي من هذه الورطة، كنتُ في حِيرةٍ من أمري، كيف سأكتب عن شيء لم يعلمونا عنه سوى القليل الذي ضاع بين معادلات الرياضيات وقوانين الفيزياء؟ كل ما كنتُ أعرفه عن الوطن هو أنّني لا أستطيع أن أعيش خارجه، إضافة للنشيد الذي أردده كل صباح دون أن أستشف معانيه أو أدرك كنهها.

لم يخطر ببالي يومها غير أبيات طوقان: وطنٌ يُباع ويُشترى وتصيحُ فليحيا الوطن لو كنتَ تبغي خيره لبذلتَ من دمكِ الثمن ولقُمتَ تضمدُ جرحهُ لو كنتَ من أهلِ الفِطن وقول أحمد شوقي: وللحرّية الحمراءِ بابٌ بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يدقُّ تذكرتُ أيضًا قول غساني كنفاني “لا تمُت قبل أن تكون ندًّا”.

كل ما خطر ببالي وتذكرتُه كان يِحرّضني للكتابة عن الشهداء! فلم أرَ في حياتي وطنًا غيرهم، ولم أعرف مُمثلًا للوطن أصدق وأطهر منهم، إنّهم الوحيدون الذين عرفوا معنى الوطن وأدركوا سرّه المقدس فسقوه دمائهم وعانقوا سمائه بأرواحهم. بعد مرور عشر سنين على فشلي في الكتابة عن الوطن وإدراك سره والتغني بنشيده أتساءل اليوم هل كان الشهداء صفعةً كافيةً لأدركَ معناه وأراه مُجسدًا فيهم؟! إنّ الأمر يعدو كونه مثالياتٍ وتنظيرًا، إنّنا بحاجة حقا لأن ندرك معنى هذا الوطن، بحاجة لأنْ نتعدى العبارات المُغلفة بالمشاعر مثل “الوطن هو المكان الذي لا تستطيع مغادرته لأنّكَ تحبه ” فكثيرون يحبونه صاروا يغادرونه لأنّهم يحبون أنفسهم أكثر منه، ما أحوجنا اليوم لسبر غور هذا الحب وتعليمه لأبنائنا تمامًا كما تعلّمه الشهداء من قبلنا، لا أريد لمأساتي أن تتكرر، لا أريد لأيّ طفل أن يفشل مثلي في التعبير عن وطنه لأنه لا يعرف عنه سوى الهزائم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.