اشرقات ثقافية

لعنة الموارد في الدّولة الريعية العربية

 

بعد انتهاء الحرب العالمية الثّانية عام 1945 اتسعت رقعة مصطلح ” العالم الثالث ” الّذي أظهر معالم الدّول العربية، على إنّها دول لا تمتلك أيديولوجية واضحة تجاه العالم الأوّل ” الرأسمالية الغربية ” والعالم الثاني ” الاشتراكية الشرقية ” .

أصبحت خاصية ” التخلف ” هي الركيزة الأساسية في خصائص” العالم الثالث ” الّتي مِنْ ضمنها الدّول العربية ! وهذا نجده بشكل واضح في الجانب الاقتصادي يتم التركيز على تصدير منتج واحد ، ورجعية طرق الإنتاج ، وقلة حجم رؤوس الأموال ، وإنتشار البطالة ، والفروقات الطبقية الحادة . بينما الجانب الاجتماعي تتعلق في ملامح التخلف في إنتشار الأمية ، وتضخم الفجوة بين الريف والحضر ، وزياد على ذلك ارتفاع معدلات الوفيات . أمّا على المستوى السياسي ، فقد جمعت دول العالم الثالث بين عدم التكامل ، وغياب الرشادة في صنع القرار ، وفقر القواعد المؤسسية المستقرة لتداول السلطة ، الأمر الذي يدفع إلى متاهة عدم الإستقرار السياسي ، ويفسح المجال أمام تدخل العسكريين في الحكم كما هو الحال في مصر وغيرها من الدّول العربية .

بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي ، تبنت الدّول الاشتراكية السابقة النهج الليبرالي فلسفة وسياسة واقتصاداً . وعلاوة على ذلك أصبحت هذه الّدول تزاحم دول العالم الثالث في الحصول على المساعدات الاقتصادية مِنْ الدّول الغربية ، حيث أصبحت تجمع بين سمات العالم الأول ” الليبرالية الاقتصادية والسياسية ” وسمات العالم الثالث ” التبعية للغرب في مختلف المجالات ” . ومِنْ هذا المنطلق ، اقترح البعض بأنّ يكون هناك ضم دول العالمين الّثاني والثالث في مصطلح واحد هو ” دول الجنوب ” في مواجهة ” دول الشمال ” .

اشتركت الدّول العربية بـخصائص أهمها محدودية الموارد . فالدّول العربية ” دول الجنوب ” هي دول محدودة الموارد أيّ هي دول تفتقر عملية توظيف مواردها . فهنا يكمن السؤال : لماذا الموارد العربية رخيصة ، بينما المواد المنتجة في الغرب غالية الثمن ؟!

للإجابة على هذا سؤال هناك نظرية تفسر حالة الوضع في الدول العربية هي ( نظرية لعنة الموارد ) .

 

 

” لعنة الموارد ” : أطلق هذا المصطلح أهل الاقتصاد على الدّول الجنوب وخاصّة الدّول العربية محدودية الإنتاج ، ويقصد فيها وجود كميات ضخمة مِنْ الموارد الطبيعية وتفتقر توظيف هذه الموارد مقارنة مع مصادر الدخل العربي الهش ، فـيترك مجالاً لحدوث آثار اجتماعية وسياسية واقتصادية سالبة . ولعنة الموارد هي نتيجة الإعتماد بشكل كبير على العائدات النفط والموارد الطبيعية دون الإنتاج   .

جاء تاريخ نظرية لعنة الموارد منذ الخمسينيات الّتي أقامت نتائج سيئة ، فتلقت معارضة شديدة مِنْ  قبل معسكرات الأيديولوجية الرأسمالية والاشتراكية . ففي السبعينيات أظهر غوبيند نانكاني ، نائب رئيس في البنك الدّولي ، أن متوسط النمو في الدّول الجنوب ” الدّول العربية ” المصدرة للموارد الطبيعية 1.5% سنوياً خلال الفترة مِنْ 1960 إلى 1976 ، أيّ بلغت حوالي نصف النمو في الدّول الشمال الّتي لا تمتلك هذه الموارد الطبيعية .

في عام 1988  تم إجراء دراسة حسب طلب البنك الدّولي فتبين أن الدّول الغنية بالنفط نموها الاقتصادي أقل مِنْ الدّول الشمال الفقيرة بالموارد الطبيعية .

أجرى جيفري ساكس و أندرو وارنر دراسة ” وفرة الموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي ” من عام 1971 إلى عام 1989 ، أوجدت هذه الدراسة أنّ يوجد هناك دول تمتلك رصيد عالية مِنْ الموارد الطبيعية وبالمقابل نموها الاقتصادي بطيء مقارنة بالدّول الشمال . لذلك بحاجة إلى وضع خطة علاجية لهذه المعضلة العربية.

يعود سبب هذه المشكلة إلى هيمنة دول الشمال على صناعات الموارد الطبيعية و اقتصادات العربية بأن خيارات التنمية الاقتصادية ضعيفة ، ولم يتم اكتشافها وتطويرها كما يلزم ، وهذا متعلق بأسباب سياسية واقتصادية .

أوجد الاقتصاديون علاقة بين عائدات النفط والإنفاق العالي متمثلة في الإسراف غير العادية من الموارد الطبيعية فخلق في الوطن العربي مشكلة النفط والديون ، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة بالمقابلة انخفاض أسعار الموارد الطبيعية ، وهذا سبب وضع نظرية ” لعنة الموارد ” في البلدان العربية الغنية بالنفط .

لكي يوضح الأمر هناك مجموعة مِنْ الدّول المصدرة للنفط ، هي يعتمد اقتصادها اعتماداً شبه كلّي على مورد هو بطبيعته قابل للنفاذ ، الأمر الّذي يجعلها عرضة لهزات عنيفة بتأثير التذبذب في الأسعار العالمية للمادة الخام . ومِنْ ذلك أن سعر برميل النفط الخام في عام 1998 وصل إلى 12 دولاراً للبرميل الواحد ، وهو سعر يقل عن نظيره قبل تشرين الأول \ أكتوبر 1973 ، وبخاصة مع فشل دول الأوبك في التنسيق بين سياساتها الإنتاجية والإلتزام بحصصها المقررة . ولقد ترك ذلك أثراً عميقاً في اقتصادات الدول النفطية ، وحدا بعضها على تقليص حجم موازنته بحيث يواجه انكماش قيمة صادراته . ومن دول هذه المجموعة بلدان الخليج ، وليبيا قبل أزمة لوكيربي .

بالإضافة إلى مجموعة مِنْ الدّول متوسطة التطور ، متنوعة الهياكل الإنتاجية والصادرات ، والمُدينة في الوقت نفسه . وتتميز هذه الدول بإعتمادها أساساً على القطاع الزراعي ، مع وجود قطاع صناعي قوامه تصنيع المواد الغذائية والملابس مِنْ دون المعدات وآلات النقل الّتي تعد مؤشراً مهماً من مؤشرات التقدم الاقتصادي . ولإيضاح هذه الحقيقة ، يمكن إجراء مقارنة بين تطور نسبة المواد الأولية المصنعة وتطور نسبة المعدات وآلات النقل في صادرات واحدة مِنْ  الدّول المنتمية لهذه المجموعة وفي أخرى تنتمي إلى مجموعة الدّول الصناعية الجديدة . فبين عامي 1970 و1992 ارتفعت نسبة صادرات تونس من المعدات وآلات النقل مِنْ صفر بالمائة إلى 9  بالمائة من إجمالي صادراتها ، وهذا مؤشر غير جيد مقارنة مع دول الجنوب .

ْوهنا نستخلص الأمر بأن الدّول العربية تعاني مِن مديونيتها الخارجية ، وتعتبر هي مِنْ أعلى الدّول مديونية . ففي عام 1995 بلغت مديونية كل من مصر ، والجزائر ، والمغرب على التوالي :

34.116 مليار دولار ، و 32.610 مليار دولار ، و 22.147 مليار دولار .

في الخمسينيات تم اكتشاف حقل كبير مِنْ الغاز الطبيعي في هولندا ، وعرفت باسم ” المرض الهولندي”  الّتي أوضحت أن صادرات النفط تكسب الكثير من العملة الاجنبية الّتي تدفع إلى ارتفاع سعر الصرف للعملة المحلية ؛ بسبب عائدات تصدير الموارد الطبيعية الكبيرة ، فالأمر الّذي يجعل الصادرات مِنْ القطاعات الأخرى غير قادرة على المنافسة ، وتفسح المجال للموارد الطبيعية بالهيمنة على جميع الصادرات  مما يؤدي إلى الجني الكثير من عائدات تصدير النفط .

بينما الأسباب السياسية هو ضعف الدّولة الّتي أوجدها علماء السياسة أن لعنة الموارد تجعل كل من حكام الدّول العربية غير خاضعين للمساءلة ، فيصبح الحكام خارج نطاق المساءلة ، وبالتالي يتم اضعاف مؤسسات الدولة ؛ لأنّها لم تتطور بالشكل المطلوب بناءاً على معايير النجاح بهدف تحقيق الأهداف والنتائج. غير أن الدّول العربية الّتي تمتلك الموارد الطبيعية تؤدي إلى خلق الصراعات سواء داخل الدّول أو خارجها ، مثلاً حدوث صراع بين حكومة الخرطوم وسط السودان وجنوب السودان بسبب اكتشاف حقل نفط مما أدى إلى الانفصال وتشكيل دولتين دولة جنوب السودان ودولة شمال السودان .

وعدا عن أسباب الاستعمار للدّول العربية الّذي فرض هيمنته الاقتصادية قبل الهيمنة السياسية بسبب غنى هذه الدول بالموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط ، لكي يفتح أسواق خارجية حتى يتخلص مِنْ فائض الإنتاج في بلاده ، وإيجاد أيادي عاملة رخيصة ، وتزويد مصانعهم بالموارد الطبيعية كون إنّها دول فقيرة لا تمتلك موارد طبيعية.

إذا نظرنا إلى ما جاء به آدم سميث في كتابه ” ثروة الأمم ” نجد هناك أمور يجيد أن تمتلكها الدّول العربية ، ولكن بالواقع غير موجود ! ومِن هذه الاستنتاجات هي ” لا شيء يرفع مِن الأمم إلى أعلى درجات الثراء ، مِن أدنى درجات التدهور ، مثل السلام وسهولة الضرائب ، والعدل القابل للتطبيق ، وكل شيء آخر سيأتي تباعاً ”  .

” وإنّ الاستهلاك هو الغاية الوحيدة والغرض مِن وراء كل عملية إنتاج ؛ ولا ينبغي أنّ ننتظر باهتمام مصلحة المنتج إلّا بقدر ما يكون ضرورياً لصالح المستهلك “. والدّول العربية لا تعتري لهذا الأمر فقط تعتمد على تصدير منتج واحد هو ” النفط ” .

بينما جانب تدخل الدّولة في الاقتصاد لدى الدّول العربية نجدها مسيطرة ومهيمنة بشكل كبير عكس ما قاله آدم سميث : ” بأنّ الدّولة لا ينبغي أن تتدخل في الأمور الاقتصادية ، وأن الأمر ينبغي أن يترك تماماً للسوق وحسب عملية العرض والطلب مِن خلال تقسيم الثروات والأجور وتقسيم العمل ، وتنظيم العمليات التجارية ، وأن ثروة أيّة أمة يمكن قياسها فقط حجم إنتاجها وقدرتها على تطوير هذا الإنتاج وزيادته ” . وهذا عكس ما هو قائم في الدّول العربية !

المراجع :

(1) النظم السياسية العربية ، قضايا الإستمرار والتغير ، الدكتور علي الدين هلال والدكتورة نيفين مسعد ، الطبعة الأولى ، بيروت ، نيسان \أبريل 2000 .

، كتاب آدم سميث ” ثروة الأمم ” https://www.almrsal.com/post/547300(2)

(3) لعنة الموارد http://ar.wiki.openoil.net/%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق