ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

إن مع العسر يسرا

قدَّر الله أن تكون الدنيا دار ابتلاء وتمحيص وتدافع ،تزدحم بالصعاب والابتلاءات ، ، لكن مع كونها كذلك فهي لا تنطوي على عسر فحسب ، بل كل عسر يزحمه يسر في ديمومة لا انفكاك منها ، ولأنها كذلك كان الإيمان بالوعد الرباني و بالحتمية الأخروية طريقا معبدا للنفوس المؤمنة نحو الطمأنينة الساكنة ، تبتغي الأجر والرفعة ورضوان من الله ، متطلعة لحياة خلود النعيم ، فهان على أهل العسر عسرهم ، يحدوهم الأمل المتدفق من حديث صحيح خرجه مسلم في صحيحه (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ)

وتأتي هذا الكلمات لا لتعالج هموما فردية فحسب بل لتضيئ مصباحِا في أمة مُوجَعة، لتزرع في حقول اليأس بذرة الأمل وحبات الندى ، ولتُنشد في كتاب الأحزان قصيدة غد مشرق ، لا تعلُقا بالوهم بل قراءة معمقة لوجوه تسرد على واقع أمتنا فجرها الطالع ولا ريب ، تُعين قلوبا فيها مثاقيل الذر من الإيمان على الثبات ، وحث الخطى نحو هدف منشود يبزغ نوره في نهاية نفق طال السير فيه ، وإن مصاب الأمة اليوم أليم ، وتكالب الأعداء لإزالة الجبال عظيم ، وخذلان القريب كبير ، وما عاد لنا بواكي وهيهات منه النفع ، لكنها مرحلة وتزول واليسر يلَوح بشارةِ النصر ،

(فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) ،وإن كان العسر بأل التعريف يستغرق كافة ألوانه وعذاباته ،فالمخاض صعب وعسير، إلا أنه يحمل معه اليسر و لن يغلب عسر يُسرين ، وهي السنة الماضية في كتاب موثوق ، وصدق الشاعر حيث بقول ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج إن الدم المسفوح في بيوت الله الامنة ، تؤجج نزفَه ماكنة إعلامية حاقدة ، شوهت الطهارة والعدالة ، وبتحريض طواغيت نسبت نفسها للاسلام زورا ، وضعف استكان عن واجب النصرة والقوة ، وصنيعة مخابراتية أو انحرافية شوهت دين الحنيفية السمحة ، وحقد دفين تغذيه شرائع وأديان ،أوصلتنا الى عمق الجرح ألما ونزفا ، لكنها ضريبة التدافع لمن يحمل أمانة أبتها السموات والأرض ، تأبى أن تتقوقع على نفسها دون تحقيق مُرادها ورؤيتها الحضارية العالمية ، وتأبى الإنتكاس وهي تطمح بأن ينقلب السحر على الساحر .

إن منظومة الحصار والتجويع وتآمر القريب والبعيد على استإصال شأفة العز المباركة في الأرض المقدسة ، لا تستكين في اجتراح أساليب المكر العدوانية ، حربا وطعنا في الظهر حتى أثخنوا الجراح ، توسما في سقوط الشجرة المباركة ويبسها ، فتخرج لهم في كل مرة كالعنقاء وارفة الظلال خضراء بهية ، يستظل تحت غصونها الممتدة في قلوب الخُلص على مساحة وطن سليب كلُ متفيئ متأمل فيبصر الطريق ويرى انبلاج النصر وكأنه الصباح ، وانقشاع الغمة ويكأنها السراب ، فيغمض العين ويصم الأذن عن كل متربص قوّال مشوه ، فيحث الخطى نحو درب مستقيم بيقين حتى يأتيه اليقين ، مرددا محكمَ القولِ ((وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ))

إن وجع الأسرى في مقابر الأحياء وهم يُمضون زهرة شبابهم كرامة لشعبنا وحفظا لكرامة قدسنا والعربدة الإحتلالية في مزادهم الانتخابي ، وهي تخاطب قوما عشقوا التطرف والعدوان وقاموا عليه ، يزيد من عسرنا عسرا مضاعفا ، لكنه قدر الأحرار المُوجب على الشرفاء نصرةً في زمن قل فيه النصير ، حتى يبزغ فجر حريتكم بسواعد من راهنتم على بذلهم وجهادهم وأَسرِهم ، و معركتنا كفاحية تعددت جبهاتها وَثَقُل حملها ،لكن نرمق وعد الله الذي لا يخلف الميعاد وحينها تصدح الحناجر بالتكبير لنصر مبين وزوال للمحتلين وإخيرا فإن كل شديد يهون ، والألم مقرون بالأمل ، متى تيقن المرء بصوابية المنهج ، وتمرَّس وتمترس في ميدان الصبر ، متخندقا بعزيمة غير متلجلجة ، غير متنكب عن الأسباب ، مسددا ومقاربا ، مُراجعا ومصححا ، مُزيلا لكل زلة ، محاربا لليأس بكل بأس ، يحدوه قول الله ( إنا للنصر رسُلَنا والذين آمنو في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.