ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

شرقُ أوسطي .. إرهابيٌ بالفطرة

“نود إعلامك عزيزي المواطن بمواصفات الإرهابي التي إن رأيت أحدهم يحملها فعليكَ بالفرار والاختباء بأقرب مكان آمن ومن ثم الاتصال بالشرطة لحية طويلة، وهنا عزيزي المواطن تقع عليك مسؤولية التميز بين اللحية الإرهابية واللحية العادية، وثوب طويل وأحياناً ملابس عادية، حجاب رأس للفتيات ولباس يغطي أجسادهن الرقيقة، شرق أوسطيين غالباً، والأهم من ذلك أنهم ينتمون لدين الإسلام”.

حسناً، أتفق معك عزيزي القارئ بأن البيان أعلاه قد يبدو مبالغاً فيه بعض الشيء، لكن على أية حال نحن نعيشُ اليوم بعالمٍ من الجنون، لا ضمانات ولا احتمالات.

بعد حادثة نيوزلاندا، كان لابد من الوقوف بشكل جدي على جدلية الإسلاموفوبيا، الذي تحول من كونه مصطلحاً يوحي بكره الإسلام إلى مصطلح يستخدم كتصريح للقتل، ما عادت القضية قضية كرهٍ فقط.

إن هذه القضية يمكن أن تُرى من أكثر من جانب، الحديث فيها مهما طال قَصُر ، فمسألة تصنيفك وإباحة قتلك لمجرد اعتناقك لديانة معينة في بلد الحريات أمر يستحق أن يُكتب عنه.

وبحسب ما رأيت، فإن السؤال الرئيسي الذي راود الجمهور المتلقي للخبر من خلف الشاشة كان: (ما السبب الذي دفعه إلى القيامة بهذه المجزرة؟ وهل هذا سلوك فردي أم تعبير عن رأي ومعتقدات غالبية المجتمع الذي يعيش فيه؟) لستُ في مركزٍ يسمح لي بأن أعطي الجواب الكافي، إلا أنني كمسلمة أشعر بأن الدفاع عن هذا الدين بما ملكت من مقدرة هو واجبٌ علي أكثر من كونه فرصة للكتابة كإعلامية.

الناظر في موضوع الإسلاموفوبيا يدرك حقيقة أن هذا الخوف ليس حديث النشأة إلا أن المصطلح استخدم للمرة الأولى في عام 1997، فمنذ تلك اللحظة أوجدت البشرية مصطلحاً يضم كل تلك الأحكام السابقة على هذا الدين، إذ اختصرت مشاعر الكره والحقد والخوف بمصطلح واحد قد يبدو لطيفاً بعض الشيء كتصنيفه كحالة مرضية.

التأطير الإعلامي والغرس الثقافي الذي انتهجه الإعلام كان له الدور الأكبر في خلق هذا المصطلح، وهذا لا يلغي أن الخوف من إقامة دولة إسلامية لطالما كان الهاجس الأكبر للدول الغربية.

راقب الضخ الإعلامي المهول الذي يبثه الإعلام الغربي وحتى العربي مشوهاً لحقيقة الإسلام، الأخبار، الأفلام، الدعايات، كيف أسهم الإعلام بجعلك تنظر لـ”الشرق الأوسط” على أنه منطقة رجعية متخلفة وموبوءة؟ وهل فكرت يوماً لماذا أنت كمسلم إذا ما مررت برجلٍ ملتحي يرتدي لباساً طويلاً شعرت بالخوف ولو للحظة؟ رغم أنك مسلم وتعلم جيداً أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا بذات الهيئة! حسناً لا بد من أنك شاهدت يوماً فيلماً كان فيه المفجر الإرهابي مسلماً ملتحياً، رغم أنك ربما تضايقت من عرض المسلم بهذه الصورة حينها إلى أنك وباللاوعي قد خفت حين رأيت أخاك المسلم، فهل فهمت الآن كيف غرست فيك الفكرة وما هي خطورة الإعلام؟

“ألوان مفرحة، وحجاب بألوان زاهية، الأبتعاد عن اللون الأسود و ارتداء ملابس بقطعتين”،

تلك بعض النصائح أو فلنقل بعض التوجيهات التي تعطى للفتيات المغتربات في الغرب أو على الأقل في بعض الولايات والمناطق، لا لشيء سوى كي لا يخاف منها المجتمع الذي تعيش فيه، هو ذاته المجتمع الذي ينادي بالحريات وبحرية الاعتقاد الديني والفكري.

بالعودة إلى حادثة نيوزلندا، لا بد من أن الأغلب قد قرأ البيان الذي أصدره القاتل الأسترالي حين افتخر بعرقه الأبيض وبسيادة هذا العرق، وفي هذه النقطة تحديداً سأستعين بمعلومة من كتاب (فقه الصراع على فلسطين والقدس) للأستاذ محمد عمارة، حين قال في كتابه: “إن مصطلح “الشرق الأوسط” ابتدعه الغرب كتصنيف للموقع الجغرافي للموقع الأساسي ولمحور الكون ألا وهو أوروبا”، أي أننا بتنا نُعرف بناءً على الموقع الجغرافي لهم، الشرق الأوسط، الشرق الأدنى وهلمَّ جراً.

صنف الغرب الوطن العربي كمنطقة شرق أوسط كمحاولة – ناجحة – في محو الهوية العربية الإسلامية وإصباغ طابع السيطرة عليه، ثم بدأ الإعلام العربي قبل الغربي بتداوله حتى بات شعور النقص يعتري سكان المنطقة.

بعد أن نجح بغرز أفضليته على بقية شعوب العالم، جاء ليلصق الإرهاب كنوع من الصفات التي يتميز بها سكان “الشرق الأوسط”، رغم أن الإرهاب فعل لا ديانة، تصرف لا فطرة، إلا أن تسجيل الإرهاب كعلامة تجارية مسجلة “للشرق الأوسط” الإسلامي سهل الكثير على الغرب.

في عام 2018 وفي الثامن من إبريل تحديداً نُشر البيان التالي في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا: “اخلع حجاب امرأة مسلمة واحصل على 25 نقطة, أو اقتل مسلماً وأحصل على 500 نقطة، أو إذا أردت ففجر مسجداً واحصل على 1000 نقطة ولكن إن كنت تريد الفوز بالجائزة الكبرى فما عليك إلا أن تفجر مكة وبالأخص الكعبة, ولا تخف فلا عقاب عليك اليوم فاليوم يوم عقاب المسلمين”.

هكذا كانت شروط اللعبة التي أطلق عليها ( عاقب مسلماً ) ، آلاف المواطنين ممن يسكنون الولايات المتحدة وصلتهم رسائل عبر البريد من جهات مجهولة تدعوهم للمشاركة في هذه الحملة التي لاقت استحسان وتأييد الكثير. عند التفكير بهذه الحملة فإن أول ما تبادر إلى ذهني هو الشعارات التي يتغنى بها الغرب حول الحرية والديمقراطية والتي يبدو أن لها مقياساً مختلفاً تماماً عن مقياس الحريات الذي نعرفه فإذا كنت من سكان الغرب ذوي البشرة البيضاء والديانة المسيحية أو أي ديانة أخرى -شرط ألا تكون الإسلامية- فأهلاً بك وسهلاً ولا تخف فضمان حريتك من المسلمات, ولكن إن كنتَ مخالفاً لهذه الشروط فستدرج إما تحت قائمة الإرهاب أو تحت قائمة العنصرية وأحلاهما مر.

من المشين حقاً أن نصل إلى القرن الواحد والعشرين ومشاعر الهمجية والعنصرية ما زالت قائمة، ومن المشين أكثر أن يكون هذا أمراً طبيعياً أو على الأقل مقبولاً, أنا لا أنكر المواقف المشرفة التي صدرت عن بعض الغرب الذين رفضوا هذه الحملة وغيرها من التصرفات الناجمة عن الكراهية وأحترم حقاً موقفهم في الثامن من ابريل عندما وقفت مجموعة منهم كجدارٍ حول أحد المساجد لحمايته, لكن للأسف هذا لا يلغي الاعتداءات البشعة التي حصلت ومازالت تحصل.

هناك من زعم بأن هذه الحملة كانت إحدى طقوس الماسونية التي تتم في ابريل من كل عام والتي يتم فيها تقديم قرابين لمعبودهم لذلك تكثر في هذا الشهر جرائم القتل ولهذا أيضاً جاءت هذه الحملة، وكأن هذا العذر سيكون بمثابة التصريح المشروع لقتل المسلمين أو مبرراً لوحشية الغرب.

حسناً فلنقل على فرض أن هذه الحملة فعلاً كانت حملة ماسونية وبأن المسلمين ولمحض الصدفة كانوا الخيار الأول على القائمة, ولكن هل يلغي ذلك وحشية التصرف ولا إنسانيته ؟! خاصة في بلاد تتغنى بالإنسانية وتضم تمثالاً للحرية! الاعتداءات التي تحصل بشكل يومي ضد أصحاب البشرة السوداء في الغرب كفيلة بإثبات أن انتهاء التمييز العنصري ما هو إلا أسطورة، وأقصد بذلك الحقيقة التي لا يتم عرضها على شاشة التلفاز أو في دور السينما, وبأن تضحيات (مارتن لوثر كنج) في إنهاء التمييز العنصري لم تكن كافية، ولا لوم عليه فالعنصرية مرض في فكر الإنسان لا خلاص منه.

بقي المسلمون حينها بين من أمن نفسه وعائلته في عيشةٍ راضية وبين من ينطبق عليه قول المتنبي: أنا الغريقُ فما خوفي من البلل! الحديث عن الاسلاموفوبيا حديثٌ لا نهاية له, تماماً كما الحديث عن العنصرية، وهناك المئات بل الآلاف من المقالات التي نشرت حول هذه المواضيع، وأردتُ في هذا المقال إبراز الانسانية في موضوع الاسلاموفوبيا بعيداً عن الحديث عن الدين لعل الإنسانية تكون منجاة للباقين هذه المرة.

اعتداءات شبه يومية لفظية وجسدية ، ضياء وزوجته وأختها قُتلوا في منزلهم ! رغم أنهم أبناء تلك البلد منذ نعومة أظافرهم ، ثم اليوم مجزرةٌ للمسلمين في مسجد ، فماذا بعد ؟ ما هذا إلا فيضٌ من غيض ، فلتقل عزيزي القارئ بأنها مجرد مشاعر مزقت الصدر فما وجدت إلا الأحرف لتضمها ، ما هو إلا قليلٌ من خفايا الإعلام في التحكم في مسير العالم ، ويبقى لسان الحال يقول اللهم إنا مغلوبون فأنتصر .

2 تعليقات
  1. الدكتور امجد صوالحة يقول

    كل الاحترام..
    مقاله رائعه. تصيب كبد الحقيقه التى نتجاهلها خوفا من نفسنا. وبان نصارح انفسنا اننا اصبحنا شعوب عربيه ضعيف. ومستباحه. وتتداعى علينا الامم ونحن لا حول لنا وقوه…
    اتمنى من الكاتبه..سهى مهنا ان تثرينا بمقاله عن كيفيه النهوض بهذه الامه. ومن افكار وتحارب الامم وشعوب العالم ..لما لمسته في مقالتك من اضطلاع واسع على ثقافات الامم الخرى وتجاربها…
    اتمنى لك التوفيق

  2. مجدي يقول

    الكاتبة سها مهنا ، مبدعة دائما . كل الاحترام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.