ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

أهمية الكشف المبكر عن ضعف السمع

 

كلٌ منا يعرف شخصاً واحداً على الأقل يعاني من مشكلة ضعف السمع، سواءً كان كبيراً في السن، أو طفلاً صغيراً، أو حتى شاباً يافعاً…

إن ظاهرة ضعف السمع ليست ظاهرة جديدة ولكنها باتت واضحة اليوم في مجتمعنا، والمجتمعات الأخرى خاصةً بعد تطور الرعاية الصحية، وتوفر مراكز متخصصة  للسمع، الأمر الذي ساهم في تسهيل الكشف عن ضعف السمع، بالإضافة لظهور عوامل بيئية لم تكن موجودة من قبل.

ففي دراسة أجريت عام 2011 قام بها جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني تبين أن نسبة الإعاقة السمعية في فلسطين كانت 15.5% في الضفة الغربية، يقابلها 11.5% في قطاع غزة، ونسبة ضعف السمع لدى البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 18 عام كانت 1.6%، الأمر الذي يترتب عليه الحاجة لتقديم الرعاية الصحية المناسبة لهؤلاء الأشخاص، ومتابعتهم.

يمكن تعريف ضعف السمع على أنه عجز كلي أو جزئي في القدرة على سماع الأصوات وتفسيرها، يصيب الأشخاص على اختلاف أعمارهم ولأسباب عديدة، وقد يكون ضعف سمع مؤقت أو دائم تبعاً لسبب ضعف السمع.                                                         

يصنف ضعف السمع إلى ثلاثة أنواع: ضعف السمع التوصيلي، وضعف السمع الحسي العصبي، وضعف السمع المركب أو المختلط. فعندما نقول ضعف سمع توصيلي فهو الذي ينتج عن حدوث مشكلة في مجرى السمع إما في الأذن الخارجية، أو الأذن الوسطى، والذي يسبب إعاقة في وصول الصوت إلى الأذن الداخلية، أما ضعف السمع الحسي العصبي فهو الذي ينتج عن حدوث خلل في الأذن الداخلية، أو العصب السمعي… وعادة ما يكون ضعفاً دائماً لأنه قد ينتج عن تلف في الشعيرات السمعية المتواجدة في داخل قوقعة الأذن وهي شعيرات لا تتجدد في حال تلفها، أما النوع الأخير والذي يسمى ضعف السمع المركب فهو ينتج عن ترافق ضعف السمع التوصيلي مع ضعف السمع الحسي العصبي (أي يكون هناك مشكلة في الأذن الداخلية أو العصب السمعي بالتزامن مع خلل في مجرى السمع).

أسباب ضعف السمع كثيرة ولا يمكن حصرها جميعاً في مقال واحد، ولكن يمكن إجمالها بالأسباب التالية:                             

* ضعف السمع الذي يحدث نتيجة التقدم في العمر.

* ضعف السمع الخلقي ( الذي يظهر بعد الولادة مباشرة).

 * ضعف السمع الذي ينتج عن حدوث مضاعفات للأم أثناء عملية الولادة.

 * ضعف السمع نتيجة عوامل وراثية.

* نتيجة الإصابة بمرض معين يؤثر بشكل مباشر على السمع.

*  نتيجة التعرض لحوادث.

* التعرض للأصوات العالية باستمرار، أو لأصوات عالية بشكل مفاجئ كأصوات المفرقعات النارية وإطلاق النار.

* بعض الأدوية التي قد تؤثر على السمع، وغيرها…

أياً كان نوع ضعف السمع أو سببه فإنه من الضروري سرعة الكشف عن وجود هذا الضعف لتجنب حدوث مضاعفات قد تزيد من حدة المشكلة، أو تقلل من فعالية العلاج.                                                                                                      

فعند الأطفال مثلاً تكمن أهمية الكشف المبكر عن ضعف السمع في أنه يحدّ أو يقلل من أثر حدوث مشاكل في تطور اللغة لدى الطفل، أو في تطور المهارات الاجتماعية، والعاطفية، والسلوكية، وكذلك التطور الإدراكي لديه، بالإضافة لأداء الطفل الأكاديمي، فكلما كان الكشف عنه في عمر مبكر أكثر سيكون أداء الطفل في المستقبل أفضل وتطوره أسرع.                                          

 فبحسب الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال (APP)، فإن الأطفال الذي يحدد لديهم ضعف السمع قبل عمر الستة أشهر، والذين يتلقون التدخل العلاجي المناسب تتطور لديهم اللغة 40% أفضل من الأطفال الذين يتم اكتشاف الضعف  لديهم بعد هذا العمر.

وكذلك هناك بعض الحالات المرضية إن لم يتم الكشف عنها بشكل مبكر يصعب علاجها كالحالة المرضية التي تسمى: cholesteatoma) / ورم كوليسترولي) وهو نمو لنسيج من الخلايا الميتة في الأذن الوسطى خلف الطبلة يسبب ضعف سمع، وربما مشاكل في التوازن، وقد يضغط على أعضاء الأذن الداخلية، ففي حال قام طبيب الأنف والأذن والحنجرة بالتعاون مع أخصائي السمع بالكشف المبكر عنه سيقوم الطبيب بجراحة لإزالة هذه الخلايا ويعود السمع كما كان، أما إذا تأخر الكشف عنه فقد يسبب ضعف سمع دائم للمريض إذا تسبب في تلف أعضاء الأذن الداخلية! 

إن آثار ضعف السمع لا تقتصر فقط على عدم قدرة الشخص على سماع الأصوات فهي ليست مشكلة في حاسة فقط، بل تتعداها لتصبح مشكلة كبيرة في التواصل مع الناس، إن الشخص المصاب بضعف السمع يواجه مشكلة حقيقية في التواصل مع المحيطين به من أهل، وأصدقاء، ومعارف، وفي القدرة على التفاعل معهم، الأمر الذي يترتب عليه رغبة الشخص في اعتزال من حوله، وتجنب الخروج من البيت، أو تجنب التواجد في المناسبات الاجتماعية، وقد يؤثر على حياة العمل لأنه سيواجه صعوبة في التواصل مع زملائه، وقد يصل الأمر لحدوث مشاكل نفسية واكتئاب… وكل ذلك تبعاً لدرجة فقد السمع لديه، فكلما كان ضعف السمع أكبر ستكون الآثار أكبر على حياة الشخص وقدرته على التواصل.                                               

 فلك أن تتخيل شخص مصاب بضعف سمع في كلتا أذنيه، ومتواجد في جلسة عائلية، ويحاول فهم ما يقوله الآخرين من حوله في ظل وجود أكثر من شخص يتكلم في نفس الوقت، بالإضافة لأصوات أطفال يلعبون مثلاً. سيكون في موقف صعب للغاية ومحرج لأنه لا يستطيع التفاعل مع الحوار القائم طالما لديه صعوبة في سماع الكلام وفهمه.

ففي الدراسة التي ذكرناها سابقاً وقام بها جهاز الإحصاء الفلسطيني، أظهرت نتائج الدراسة أن 69.1% من الأشخاص الذين يعانون من إعاقة سمعية يزورون الأهل والأصدقاء، أي أن ما يقارب 40% لا يخرجون لزيارة أقاربهم أو أصدقائهم، وكذلك 28.2% منهم فقط يخرجون برفقة الأهل أو الأصدقاء، والبقية يتجنبون الخروج، أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية. ووجدت الدراسة أيضاً أن 75% من البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 18 عام ولديهم ضعف سمع يواجهون صعوبات في التواصل، و13.9% منهم واجهوا صعوبة في إيجاد فرصة عمل.

إذن نحن أمام مشكلة مركبة، لأن ضعف السمع لا يؤثر فقط على صحة الشخص وإنما على قدرته على التواصل مع من هم حوله، وعلى ثقته بنفسه، وقدرته على تحقيق ذاته وممارسة دوره في هذه الحياة، فلماذا لا نعجل في اللجوء للحلول المتاحة طالما أن هذه الحلول متوفرة وقادرة على تحسين حياة الإنسان إلى حد كبير بدلاً من الاستسلام للمشكلة؟!

ولذلك ننصح  دائماً كأخصائيي سمع بضرورة الكشف المبكر عن ضعف السمع، فذهابك لأخصائي السمع فور شعورك بوجود مشكلة في سمعك يساهم بشكل كبير في عدم تفاقم المشكلة، وإيجاد الحل المناسب لها، والتخفيف من آثارها…

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.