ثقافية، تربوية، اجتماعية، سياسية

عقوبات الانتماء للوطن

لم تبدأ الحرب على المقاومين وأصحاب المبادئ بقطع رواتب أسر الشهداء والجرحى في غزة، بل هي سياسة متواصلة بدأها الاحتلال منذ اليوم الأول لقدومه: من هدم لمنازل المقاومين إلى سجنهم وحرمانهم من التوظيف والعمل والتنقل، ومنذ سنوات استطاع الاحتلال أن يسخر أدواتٍ فلسطينية لتنكل بكل من انتمى للوطن.

فالتنسيق الأمني لا يقتصر على اعتقال المقاومين والتحقيق معهم وتعذيبهم، ولا منعهم من الوظيفة العمومية، بل يمتد إلى ملاحقتهم في أعمالهم الحرة أو وظائفهم في الشركات الخاصة، والتضييق عليهم سبل الحياة الكريمة لدرجة قد يفكر البعض بالهجرة بعد أن تكالب عليه القريب والبعيد، حتى البنوك أصبحت تحارب الأسرى وأهالي الشهداء وتمنعهم من فتح الحسابات.

والبعض كفر (أو كاد يكفر) بالوطن الذي دفع أثمانًا كثيرة ضريبة الانتماء إليه، وأذكر أولئك بقوله تعالى: “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين”، وقوله “أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب”.

نعم هذه درب الرسل ومن سار على هديهم فمن يتخلى عنه ويهرب؟ أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ طريق الأنبياء والرسل ليس فقط الصلاة والصوم والكلمة الطيب، بل هو أيضًا الصبر والصمود ومجاهدة العدو المعتدي.

ولعل من أخبث الأساليب الشيطانية التي استخدمها الاحتلال لتحطيم معنويات المنتمين للوطن، لما وجدهم صامدين لا يتأثرون بالشدائد ، هو ضرب صمودهم من الداخل وتكليفه أبناء جلدتهم ليتسلطوا عليهم، وكان بإمكان الاحتلال أن يشدد عقوباته على غزة وأن يجوع بنفسه أهالي الأسرى والشهداء والجرحى، لكنه ترك السلطة تقوم بذلك حتى يشعر المقاومون أن الغدر والخيانة تأتي من بين صفوفهم، وأن يصلوا إلى مرحلة فقدان الإيمان بالوطن والتضحية والفداء، أليس ذلك جارهم أو زميلهم أو قريبهم الذي باع وتخلى؟ لماذا يحرقون أنفسهم بينما أبناء جلدتهم باعوا دينهم ووطنهم؟ ونسمع كلامًا مثل “لماذا أخلص لوطن لم يقدم لي شيئًا؟” وكأن الوطن شركة تجارية أتعامل معها إن كانت عروضها جيدة، وأهجرها إن كانت مخسرًا.

يا سادة أفهموا المعادلة جيدًا حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، حتى لا تضلوا بعد أن هداكم الله، حتى لا تنتكسوا على أعقابكم، حتى لا تكون لعبة في يد جلاديكم: فلسطين والقدس والمسجد الأقصى هي عقيدتكم، وقد اصطفاكم الله عز وجل وجعلكم في قلبها لتنالوا شرف مواجهة أعداء هذا الدين، فأنتم تدافعون عن عقيدتكم وعن مبدأكم، أنتم لا تقاتلون من أجل فلان ولا علان، ولا من أجل السلطة الفلسطينية ولا من أجل الفصيل هذا ولا ذاك.

الاحتلال هو الذي ينكل بكم فلا تستسلموا له ولا تقدموا له ما يريد على طبق من ذهب، الاحتلال هو الذي يقطع الماء والهواء عنكم، وهو الذي يحرك الآخرين ليعاقبوكم ويضيقوا عليكم سبل الحياة، فلا تنسوه ولا تتنازلوا له ولا تقدموا له وطنكم مكافآة له على إجرامه ووحشيته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.